التصنيفات
بلدان ومدن

موسوع تاريخ الدول 2 قارة اروبا

۞۞ قارة أوروبا ۞۞

هي إحدى قارات العالم السبع. جغرافياً تعد أوروبا شبه قارة أو شبه جزيرة كبيرة تكون الجزء الغربي الممتد من أوراسيا بين جبالالأورالوالقوقازوبحر قزوين من الشرقوالمحيط الأطلسي من الغرب والبحار الأبيض المتوسطوالأسود ومنطقة القوقاز من الجنوب والمحيط القطبي الشمالي من شمال القارة وتعتبر قارة صغيرة نسبيا مقارنة ببقية القارات لكن قارة أستراليا أصغر منها.

تصل مساحة القارة لحوالي 10.79 مليون كم2 (7.1 % من مساحة الأرض). ثالث قارة من حيث عدد السكان في العالم إذ يزيد عدد سكانها عن 700 مليون نسمة (11 % من سكان الأرض).

تعليمية


المواضيع المتناولة

الفهرس الخاص بمواضيع القارة :


الاندلس


تاريخ الاندلس


الاندلس مجد المسلمين الضائع

تاريخ النمسا


لمحات من تاريخ النمسا


تاريخ اسبانيا


تاريخ البانيا


بريطانيا العظمي


نبذه من تاريخ ايرلندا


نبذه من تاريخ المانيا


نبذه عن تاريخ "اسكتلندا"

السنجق"جوهره اسلاميه "


البلقان "تاريخ _ مشكلات "


نبذه عن تاريخ الدوله الشيشانيه

تـــــــاريــخ روسيـــــــــــا القديــــــــم.


تاريخ روسيا


الفردوس المفقود "ماذا اعرف عنها ؟وماذا تعرف انت عنها "




بسم الله الرحمن الرحيم

تعليمية

نبذه عن الاندلس

الأندلس اسم مأخوذ من لغة الفندال القبيلة التي تعيش هناك أطلق على منطقة جنوب إسبانيا بعد الفتح الإسلامي العربي لها وقد أصبحت الأندلس جزءاً من الدولة الإسلامية. ويعتبر عبدالرحمن الداخل المؤسس للدولة الأندلسية سنة 750 التي كانت مستقلة عن الدولة الاسلامية تحت حكم بني العباس واعتبرت الأندلس امتدادا لدولة بني أمية التي قضى عليها العباسيون في الشرق.

وفي سنة 756 بنى عبدالرحمن الداخل (صقر قريش) مدينة قرطبة والتى أصبحت عاصمة الأندلس واعتبرت المدينة المنافسة لبغداد عاصمة العباسيين . دام الوجود العربي الإسلامي في اسبانيا قرابة 800 سنة حتى قامت بالقضاء على كل ماهو عربي وإسلامي.

وقد أصبح في الأندلس عدة دول بعد سقوط الدولة الأموية عام 399هـ منها : دويلات ملوك الطوائف ودولة المرابطين ودولة الموحدين ومملكة غرناطة .

و في العصر الحاضر لا تزال منطقة جنوب إسبانيا تعرف بإسم الأندلس و تعتبر إحدى المقطاعات التي تشكل إسبانيا الحديثة و تحتفظ بالعديد من المباني التي يعود تاريخها إلى عهد الدولة الإسلامية في الأندلس، و تحمل اللغة الإسبانية كثيراً من الكلمات التي يعود أصلها إلى اللغة العربية.

الأندلس قبل الإسلام

تشير الأدوات الحجرية ورسوم الكهوف إلى أن الإنسان استوطن شبه جزيرة أيبريا منذ أكثر من 10,000 سنة. وقد أقام الفينيقيون مدنا على السواحل. ثم ضمها الرومان إلى إمبراطوريتهم، حتى غزاها القوط الغربيون (Visigoth) حوالي عام 450 ضمن اجتياح مختلف قبائل البربر للإمبراطورية الرومانية. طرد القوط الغربيون قبائل الوندال البربرية إلى شمال أفريقيا.وقد جاء اسم الاندلس من كلمة "وندال "حيث اصبحت واندالش ، ومنها اندلس والاندلس هي كل ارض دخلها المسلمين في شبه جزيرة ايبيريا حتى اصبحت في النهايه حوالي ثمان مدن

فتح الاندلس

في عام 86 هـ وفي زمن الوليد بن عبد الملك الأموي تولى موسى بن نصير المغرب ، فأخضع البربر ، ونشر الأمن في هذه الربوع ، واستطاع أن يفتح طنجة فترك بها حامية يقودها مولاه طارق بن زياد ، وعهد إليه بالعمل على نشر الإسلام في المنطقة ، وعسكر طارق بمن معه من المسلمين على سواحل بحر الزقاق ، وبدأت أنظارهم تتجه نحو أسبانيا .

وعاد موسى إلى القيروان ، وعلم طارق أن ميناء سبتة على مقربة منه فبدأ يتحرك نحوه ، وكان حاكم سبتة يليان قد تحرر من سلطان الدولة البيزنطية ، وأصبح كالحاكم المستقل في سبتة وماحولها ، واحتك يليان بالمسلمين وأحس بقوتهم وضغطهم عليه ، فعمل على كسب ود طارق بن زياد ، وكان طارق يتطلع لفتح أسبانيا ، فراسل يليان ولاطفه وتهاديا حتى يستفيد منه .

وأما الأندلس ( أسبانيا ) فقد حكمها القوط منذ عام 507 م ، غير أن أمرهم بدأ يضعف ، وقسمت أسبانيا إلى دوقيات ، يحكم كل منها دوق ، يرجـع في سلطنته إلى الملك في طليطلة ، وقسم المجتمع إلى طبقات : أعلاها طبقة الأشراف أصحاب الأموال والمناصب وحكام الولايات والمدن والإقطاعيون ، ثم طبقة رجال الدين الذين ملكوا الضياع وعاملوا عبيدهم بالعسف ، ثم طبقة المستخدمين وهم حاشية الملك وموظفو الدولة ، ثم الطبقة الوسـطى وهم الزراع والتجار والحرفيين وقد أثقلوا بالضرائب ، وأخيراً الطبقة الدنيا وهم الفلاحين والمحاربين والعاملين في المنازل ، وبلغ البؤس بأهل أسبانيا أن حل بهم الوباء في السنوات : 88 ، 89 ، 90 هـ حتى مات أكثر من نصـف سكانها .

وفي عام 709 م تولى العرش وتيكا الذي يسميه العرب غيطشة ، ولكنه عزل في نهاية السنة نفسها ثم قتل ، واستلم الحكم بعده أخيلا ، وفي العام التالي710 م وصل ردريك – ويسميه العرب لذريق – إلى الحكم بعد عزل أخيلا ، وغرق لذريق في الشهوات حتى نفرت منه القلوب ، وانقسمت البلاد في عهده ، فظهـر حزب قوي بزعامة أخيلا الذي حاول استرداد عرشه وحزب آخر ناصر الملك .

ولما كان يليان حليفاً لغيطشة فقد حـاول مد يد العون إلى حليفه ، ولكن أنصار لذريق ردوه عن الأندلس إلى العدوة الإفريقية ، فتحصن في سبتة ، وأخذ يرقب الأحداث .

وتذكر الروايات أن يليان هو الذي دعا موسى لغزو الأندلس ، وذلك أن يليان كان قد أرسل ابنته إلى قصر لذريق لتتأدب ، وتنشأ فيه أسوة بغيرها من بنات القوط في ذلك الزمان ، وأن لذريق بصر بالفتاة وطمع فيها ونال منها ، فكتبت إلى أبيها بخبرها ، فدفعه ذلك إلى التفكير في الانتقام من لذريق ، فاتصل بطارق وزين له فتح الأندلس ، وجعل نفسه وأتباعه أدلاء للمسلمين بعد أن اطمـأن إليهم ، وزار يليان موسى بن نصـير في القيروان لإقناعـه بسهولة الفتح ، وطبيعي أن يشك موسى في صحة المعلومات فطلب من يليان أن يقوم بغارة سريعة ، ففعل وعاد محملاً بالغنائم .

وليس هذا هو السبب الحقيقي للفتح ولكنه عجل به وساعد عليه ، وكما ذكرفأن اعين طارق بن زياد كانت دائما علي الأندلس منذ أن وصل طنجة ، ثم إن المسلمين فتحوا فرنسا وسويسرا وصقلية وجزر المتوسط كلها دون مساعدة يليان ، كما أن المسلمين منذ أيام عثمان بن عـفان رضي الله عنه يفكرون بفتح القسطنطينية من جهة أوروبا بعد فتح الأندلس ، وقال عثمان حينها : ( إن القسطنطينية إنما تفتح من قبل البحر ، وأنتم إذا فتحتـم الأندلس فأنتم شركاء لمن يفتح القسطنطينية في الأجر آخر الزمان ) .

وكتب موسى يستأذن الخليفة بدمشق ، فجاء رد الخليفة الوليد : ( أن خضها بالسرايا حتى تختبرها ، ولا تغرر بالمسلمين في بحر شديد الأهوال ) ، فكتب إليه موسى : ( إنه ليس ببحر وإنما هو خليج يكاد الناظر أن يرى ماخلفه ) ، فكتب إليه الخليفة : ( وإن كان ، فاختبره بالسرايا ) ، فأرسل موسى مولاه طريف ، وكان في مائة فارس وأربعين راجلاً ، في مهمة استطلاعية ، وجاز البحر في أربعة مراكب أعانهم بها يليان ، وذلك في شهر رمضان ، ونزل المسلمون في جزيرة صغيرة على مقربة من الموضع الذي قامت فيه بلدة حملت اسم طريف ، وخفّت قوة من أنصار يليان وأبناء غيطشة لعونهم وقامت بحراسة المعبر حتى تم نزولهم ، ومن ذلك الموضع قام طريف وأصحابه بسلسلة من الغارات السريعة على الساحل غنموا فيها كثيراً ، وشجع هذا موسى على عبور الأندلس .

واختار موسى للفتح طارق بن زياد ، وركب طارق السفن في سبعة آلاف من المسلمين ، معظمهم من البربر ، ويقال بينما كان طارق في عرض المضيق على رأس سفينته إذ أخذته سنة من النوم ، فرأى النبي صلى الله عليه وسلم وحوله المهاجرون والأنصار ، قد تقلدوا السيوف ، وتنكبوا القسيّ ، فيقول له رسول الله صلى الله عليه وسلم : ( يا طارق تقدم لشأنك ) ، ونظر إليه وإلى أصحابه قد دخلوا الأندلس قدّامه ، فيهب طارق مستبشراً .

وألقت السفن مرساها قبالة الجزيرة الخضراء عند جبل سمي فيما بعد جبل طارق ، وكان لذريق مشغولاً بثورة أخيلا في الشمال ، ولما علم بنزول المسلمين في أرض أسبانيا جمع جيشاً جراراً بلغ سبعين ألفاً ، وفي رواية : مائة ألف .

وجاءت امرأة عجوز من أهل الجزيرة الخضراء إلى طارق ، وقالت له : إنه كان لها زوج عالم بالحدثان [ أخبار الزمان ] ، فكان يحدثهم عن أمير يدخل بلدهم هذا فيتغلب عليه ، ويصف من نعته أنه ضخم الهامة ، فأنت كذلك ، ومنها أن في كتفه الأيسر شامة عليها شعر فإن كانت فيك فأنت هو ، فكشف ثوبه فإذا بالشامة في كتفه على ما ذكرت ، فاستبشر ومن معه .

وسار طارق باتجاه قرطبة حتى وصل لوادي بكة والذي حرّف فيما بعد إلى وادي لكة ، وهنا عرف طارق بأن لذريق وصل لقرطبة ، ثم تقدم واستعد للموقعة في سهل البرباط ، وأرسل طارق يطلب المدد من موسى بن نصير ، فعجل موسى بإرسال خمسة آلاف من خيرة الجنود يقودهم طريف ، وفيهم عدد عظيم من العرب ، فأدركوا طارقاً قبيل المعركة ، فأصبح عددهم اثني عشر ألفاً ، وقام طارق في أصحابه خطيباً فشجعهم على الجهاد ، واستعد لذريق للقاء ، وقد ولى ولدي غيطشة على ميمنته وميسرته .

وقبيل الالتحام أجمع أولاد غيطشة على الغدر بلذريق ، وأرسلوا إلى طارق يعلمونه أن لذريق كان تابعاً وخادماً لأبيهم ، فغلبهم على سلطانه بعد مهلكه ، ويسألونه الأمان ، على أن يميلوا إليه عند اللقاء فيمن يتبعهم ، وأن يسلم إليهم إذا ظفر ضياع والدهم بالأندلس كلها ، فأجابهم طارق إلى ذلك وعاقدهم عليه ، وأرسل لذريق رجلاً من أصحابه ليعاين له جيش المسلمين ، فلما عاد قال له : خذ على نفسك ، فقد جاءك منهم من لا يريد إلا الموت ، أو إصابة ماتحت قدميك .

وقدم طارق نفراً من السودان بين يدي جيشه ليتلقوا بما عرف عنهم من الصبر والثبات صدمة الجيش الأولى ، وبدأ القتال يوم الأحد الثامن والعشرين من رمضان سنة 92هـ ، فأظهر فرسان القوط مقدرة عظيمة أول المعركة ، وثبتوا لضغط المسلمين ، وأخذ يليان ورجاله يخذلون الناس عن لذريق ويصرفونهم عنه ، قائلين لهم : إن العرب جاؤوا للقضاء على لذريق فقط ، وإنهم إن خذلوا لذريق اليوم صفت لكم الأندلس بعد ذلك .

وأثر هذا الكلام في جنود القوط فقد كان كثير منهم يكرهون لذريق ، فخرج فرسانه من المعركة وتركوه لمصيره ، فاضطرب نظام جيشه وفر الكثير منهم ، وخارت قوى لذريق ولم تغنه شجاعته شيئاً ، ويئس من النصر لما رأى جنده يفرون أو ينضمون للمسلمين . وهجم طارق على لذريق فضربه بسيفه فقتله ، وقيل : إنه جرحه ورمى بنفسه في وادي لكة فغرق ، وحمل النهر جثته إلى المحيط .

وبعد مصرعه احتل المسلمون المعسكر وغنموه ، واتجه طارق لفتح المدن الرئيسية في الأندلس ففتح شذونة ومدوّرة وقرمونة وإشبيلية واستجة ، وكانت فيها قوة تجمعت من فلول عسكر لذريق فقاتلوا قتالاً شديداً حتى أظهر الله المسلمين عليهم ، ولم يلق المسلمون فيما بعد ذلك حرباً مثلها ، وأقاموا على الامتناع أولاً إلى أن ظفر طارق بأمير المدينة على النهر وحده ، فوثب عليه طارق في الماء فأخذه وجاء به إلى المعسكر ، ثم صالحه طارق وخلى سبيله ، واستمر طارق في زحفه ، وانتهى إلى عاصمة الأندلس طليطلة وتمكن من فتحها .

وجاءته الرسائل من موسى تأمره بالتوقف ، وعبر موسى إلى الأندلس بناء على استغاثة وجهها إليه طارق ، وذلك في شهر رمضان سنة ثلاث وتسعين ، بجيش عدده ثمانية عشر ألفاً ، ففتح بعض المدن كشذونة وقرمونة وإشبيلية وماردة ، وهي مدن لم يفتحها طارق ، ثم التقى بطارق ووبخه على أنهم توغلوا أكثر مما ينبغي ، وأن خطوط مواصلاتهم في الأندلس الواسعة في خطر ، فقد بقيت مناطق واسعة في شرق الأندلس وغربها لم تفتح .

وأخيراً لقد قررت معركة وادي لكة مصير الأندلس لمدة ثمانية قرون ، وظل الأثر العربي الإسلامي في أسبانيا ليوم الناس هذا .

الخلافه الامويه في الاندلس

سقطت الخلافه الامويه في دمشق سنه132هجريا_750م ،وتعقب العباسيون اخر خلفاء الامويين مروان بن محمد وقتلوه في مصر عقب موقعه بو صير،وقتلوا كل من وقع في ايديهم من امراء بني اميه ،ولم ينج من تلك المذبحه الا نفر قليل من امراء بني اميه كان من بينهم الامير عبد الرحمن بن معاويه بن هشام بن عبد الملك والذي تمكن من الفرار من ايدي العباسيين والهروب الي الاندلس
وكانت الاندلس في تلك الفتره تعيش حاله من التدهور والفوضي السياسيه بعد سقوط الخلافه الامويه وضعف يد الخلافه العباسيه الجديده في بسط سلطانها علي الاندلس،وقد حدث خلاف بين المضريه واليمنيه من اجل السلطه علي الاندلس ،الي ان استقر الامر بينهم الي ان يتولي يوسف بن حبيب الحكم لمده عام وقد كان مضريا ،ثم يرد الامر الي اليمنيه فيولوا من يريدوا ،وعندما انقضت السنه رض الناس التخلي عن يوسف واستمر حكمه للاندلس0
وعندما دخل الامير عبد الرحمن بن معاويه الاندلس في ذي القعده سنه138هجريا،اجتمع حوله الناس ودخل في حروب كتير مع يوسف بن حبيب وانتهت بانتصار عبد الرحمن بن معاويه وفرض نفوذه علي الاندلس،واعلن تاسيس الدوله الامويه في الاندلس،وقد عمل المير عبد الرحمن علي تثبيت حكمه في الاندلس والتقرب الي الناس ،
وعلي الرغم من سيطره الاميرعبد الرحمن علي زمام الامور في الاندلس الا انه لم يتمكن من اعلان قيام الخلافه الامويه وذلك نظرا لقوه الخلافه العباسيه في هذه الفتره ،كما ان عبد الرحمن الداخل لم يكن يرغب في اثاره غضب الخلافه العباسيه لانها لن تقبل بوجود خلافه ثانيه في العالم الاسلامي،ولذلك فضل عبد الرحمن الداخل الابتعاد عن هذه الخطوه 0
وقد استمر خلفاء عبد الرحمن الداخل في حكم الاندلس دون احداث اي تغييرات في النظام السياسي حتي تولي الحكم عبد الرحمن الناصر في سنه300هجريا،وقد تمكن من القضاء علي الفتن والقلاقل التي كانت موجوده في بلاد الاندلس وتمكن ايضا من القضاء علي منافسيه وبذلك تمكن من اقرار الامور في الاندلس 0
اما بالنسبه للخلافه العباسيه فقد بدات سلطتها في الضعف والتهاوي لدرجه ان بلاد المغرب في هذه الفتره انفصلت في حكمها عن الخلافه العباسيه وتمكن الفاطميين من اقامه الخلافه الفاطميه في المغرب وبذلك اصبح يوجد في العالم الاسلامي خلافتين ،الخلافه العباسيه في بغداد والخلافه الفاطميه في المغرب0
وقد اشتغل عبد الرحمن الناصر هذا الانقسام ليعلن للعالم الاسلامي اعاده احياء الخلافه الامويه في الاندلس وانه هو الخليفه الاموي وبدا في ضرب اسمه علي النقود وسجل عليها لقب امير المؤمنين وكان ذلك في عام316هجريا0
ويعد عهد عبد الرحمن الناصر ازهي عصور الخلافه الامويه في الاندلس ،وقد استمر هذا الازدهار في عهد خليفته الحكم المستنصر ،ولكم منذ عهد الخليفه هشام بدات الخلافه الامويه في الضعف والتهاوي الي ان سقطت تمام بموت اخر الخلفاء الامويين هشام الثالث والذي توفي عام422هجريا،ولقد كان موته هو موت للخلافه الامويه في الاندلس0

الاندلس بعد سقوط الخلافه الامويه

لقد ولي أمر الخلافة طفل في السابعة من عمره يدعى ‏"‏ هشاما ‏"‏ ولما لم يكن بإمكانه حكم البلاد ، فقد كانت أمه ‏"‏ صبح ‏"‏ وصية عليه ، ولم تستطع صبح هذه أن تنفرد بالسلطة ، فقد أشركت معها في الأمر رجلا من أغرب الرجال وأقدرهم يدعى ‏"‏ المنصور بن أبى عامر ‏"‏ ‏.‏‏.‏

وقد نجح المنصور في أن يعبر الانقلاب السلمي بنجاح ، ويحول الخلافة الأموية في الأندلس إلى ملك ينتسب إليه ، ويرثه أبناؤه من بعده ، وإن كان لبني أمية الاسم الرمزي والخلافة الصورية بينما كان الحكم الفعلي للمنصور ‏.‏

ولم يمض أكثر من أربعين سنة حتى كانت دولة العامريين قد أصبحت آخر ومضة تمثلت فيها دولة الخلافة الأموية في الأندلس ، وبسقوط دولة العامريين التي قامت على غير أساس ، انفرط عقد الأندلس ، وظهر بهذه الأرض الطيبة عصر من أضعف وأردأ ما عرف المسلمون من عصور الضعف والتفكك والضياع ‏.‏

الطمع الصليبي في بلاد الاندلس

لقد ورث خلافة الأمويين أكثر من عشرين حاكما في أكثر من عشرين مقاطعة أو مدينة ، وقد انقسم هؤلاء الحكام إلى بربر وصقالبة وعرب ، وكانت بينهم حروب قومية لم تخمد طيلة السنوات التي حكموا فيها ، ولقداستغل الملوك النصارى هذا الانقسام الذي شهدته الاندلس ليتوسعوا علي حساب المسلمين في الاندلس في الوقت الذي انشغل فيه الامراء بحروبهم الداخلية ، ونتيجه لضعف المسلمين في الاندلس اضطروا الي عمل محاولات لكسب رضا النصاري فدفعوا الجزية وتنازلوا طوعا عن بعض مدنهم للنصارى ، وحاربوا في جيوش النصارى ضد المسلمين من إخوانهم في المدن الأخرى من ارض الأندلس الإسلامية ‏.‏

ولقد استفحل الخلاف والتنافس بين هؤلاء الملوك ، كما استفحل كذلك ضعف كل منهم ، وكان من نتائج ذلك طمع النصارى في إشبيلية وفي المدن الأندلسية الأخرى ‏.‏

ولما زاد الخطر المسيحي بشكل كبير اضطر المعتمد بن عباد الاستعانة بقوة المغرب العربي ‏.‏‏.‏ فاستعان بالمرابطين في المغرب الأقصى ، وعندما كان بقية ملوك الطوائف يبدون خشيتهم من المعتمد ، قال لهم كلمته المشهورة ‏:‏ ‏"‏ لأن أرعى الجمال في صحراء العرب خير من أرعى الخنازير في أرض الصليبيين ‏"‏ ‏.‏

دور المرابطين في انقاذ الاندلس

ولقد تقدم زعيم المرابطين يوسف بن تاشفين فعبر البحر و ‏(‏ جبل طارق ‏)‏ لنجدة المسلمين في الأندلس وحقق في ‏(‏ معركة الزلاقة ‏)‏ سنة 479 هـ ‏(‏ 1086 م ‏)‏ انتصارا كبيرا ساحقا على النصارى كان من أثره مد عمر الإسلام في الأندلس فترة أخرى من الزمن ‏.‏

ولقد تبين ليوسف بن تاشفين بعد ذلك أن ملوك الطوائف هؤلاء ليسوا أهلا للبقاء في مراكز السلطة في الأندلس ، وجاءته النداءات والفتاوى من العلماء كالغزالي بوجوب الاستيلاء على الأندلس فاستولى على الأندلس وأعاد إليها وحدتها ، وطرد هؤلاء الطائفيين الذين كانوا يخشون قدومه ، ويفضل بعضهم النصارى عليه ‏.‏
وقد بدات الاندلس تسقط مدينه تلو الاخري في القرن السابع الهجري ‏.‏‏.‏ ذلك القرن الذي شهد سقوط معظم القلاع والمدن الإسلامية الأندلسية ، ولم تفلت منه – إلى حين – سوى مملكة غرناطة ، التي لم تلبث بعد قرنين – أن لقيت حتفها ‏.‏

عوده التفكك للاندلس

وعلى امتداد الأندلس – شرقا وغربا – بدأت حركة ما يسمى بالاستيراد الصليبي تسوق المسلمين المفككين ، المتناطحين بالألفاظ ، المقسمين في ولائهم بين ملوك النصارى ‏.‏‏.‏ تسوقهم إلى حتفهم الأخير ‏.‏
وقد تبع سقوط الموحدين التمهيد لسقوط كثير من مدن الأندلس كمرسية وبلنسية وقرطبة والشرق الأندلسي ‏.‏‏.‏ ثم الغرب الأندلسي الذي كانت عاصمته إشبيلية ‏!‏

لقد عرف أهل إشبيلية بعد سقوط الموحدين ، أنهم لا بد لهم من حماية خارجية بعد أن فشلوا في الاعتماد على الذات ‏.‏‏.‏ وقد أرسلوا بيعتهم إلى الأمير أبي زكريا الحفصي أمير الحفصيين في تونس هؤلاء الذين لمع نجمهم بعد سقوط الموحدين ، لكن الرجال الذين أرسلهم الأمير الحفصي إلى إشبيلية أساءوا معاملة الناس وأظهروا الفساد ‏.‏‏.‏ فاضطر أهل إشبيلية لإخراجهم ، وبدءوا في الاعتماد على أنفسهم ، وألغوا معاهدة ذليلة كانت قد عقدت بينهم وبين ملك قشتالة النصراني فرناندو الثالث ، ‏

وكان هذا نذيرا ببداية النهاية لإشبيلية ، إلا أنهم قد فقدوا العون الإسلامي الخارجي ‏.‏‏.‏ وأعلنوا – بقطعهم المعاهدة – حربا على قشتالة ، لم تكن ظروفهم مهيأة لدخولها ‏،وقد شهدت سنة 644هـ بداية التحرك النصراني ضد إشبيلية ، واستولى الصليبيون على حامية إشبيلية في هذا العام ‏.‏‏.‏ وكان ذلك بمساعدة ابن الأحمر ملك غرناطة وفقا لمعاهدته مع فرناندو ‏.‏‏.‏ ‏!

وفي العام التالي تقدمت الجيوش النصرانية مرة أخرى على إشبيلية ، وقد نجحت في الاستيلاء على عشرات من المدن الإسلامية بفضل تدخل ابن الأحمر ، ومنعه هذه المدن من القتال بحجة أن القتال عبث ‏.‏‏.‏‏ وتم حصار إشبيلية وتطويقها من جميع الجهات بالكتائب النصرانية ‏.‏ وبالكتيبة التي يقودها ابن الأحمر المسلم ، مشتركين جميعا في تشريد أهلها وسحق دعوة الإسلام بها ‏.‏‏.‏ ولعل وجود راية محاربة إسلامية يلمحها المسلمون المحاصرون ‏.‏‏.‏ كان أشد ضربة تلقاها بعيون وقلوب باكية أهل إشبيلية المستبسلون ‏

لقد وقف أهل إشبيلية الشرفاء نحوا من سنة يدافعون الحصار النصراني المدعوم من ابن الأحمر ‏.‏‏.‏ وقد نجحوا في إيقاع النصارى في أكثر من كمين وأصابوهم بالهزيمة غير مرة ‏.‏ وقد حاولوا – وهم في حصارهم ، الاستنجاد بالمغرب دون جدوى ‏.‏‏.‏ بينما توالت النجدات على النصارى ، حتى نجحوا بسببها في منع المؤن عن المسلمين المحاصرين في إشبيلية ‏.‏‏.‏ فنفدت الأقوات وبدأ شبح الجوع يدب في أوصال المدينة المجهدة ‏.‏‏.‏‏.‏

وكان قضاء الله ‏.‏‏.‏ وخرج المسلمون الإشبيليون من مدينتهم وفق شروط المعاهدة ‏.‏‏.‏ خرجوا نازحين إلى مدن إسلامية أسبانية أخرى لم تلبث أن أسقطت ‏،وكان سقوط ‏(‏ قرطبة ‏)‏ أكبر معاقل الإسلام في الأندلس سنة 633هـ النهاية لسقوطنا التام في الأندلس ‏.‏

وقد اضطر ابن الأحمر مؤسس مملكة غرناطة إلى أن يهاد ن ملك قشتالة الصليبي، وأن يعقد معه صلحا لمدة عشرين سنة ، وأن يسلم له – بناء على شروط الصلح – مدينة جيان وما يلحق بها من الحصون والمعاقل ، وأن ينزل عن أرجونة وبيع الحجار وقلعة جابر وأرض الفرنتيرة ‏.‏‏.‏ واعترف بالطاعة لملك قشتالة وتعهد بأن يؤدي إليه جزية سنوية قدرها مائة وخمسون ألف مرافيدي ‏(‏ العملة الإسبانية ‏)‏ وأن يعاونه في حروبه ضد أعدائه ‏(‏ المسلمين ‏)‏ ‏!‏ وعندها استغل ملك قشتالة هذا الصلح ليتفرغ لضرب المسلمين الآخرين ، هاجم مدينة إشبيلية قاعدة غربي الأندلس كله ‏.‏‏.‏ وكانت هناك كتيبة إسلامية أرسلها ابن الأحمر تهاجمها معه ‏(‏ باسم التقدمية ‏!‏‏!‏‏)‏ فسرعان ما سقطت إشبيلية الإسلامية حاضرة الثقافة الإسلامية الرفيعة – بيد فرناندو الثالث ملك قشتالة سنة 646هـ وبمعونة ابن الأحمر 0- مؤسس مملكة غرناطة العظيم ، ‏.‏‏.‏ ولم تعد إشبيلية إلى الإسلام منذ ذلك اليوم ‏!‏‏!‏

وعندما كاد أمد الصلح بين ابن الأحمر وبين ملوك قشتالة ينتهي بعد ‏(‏ العشرين سنة ‏)‏ سعى ابن الأحمر لتجديد الصلح ‏.‏‏.‏ وفي سبيل ذلك تنازل لقشتالة عن عدد كبير من بلاد الإسلام قيل إنها بلغت أكثر من مائة بلد وحصن ‏

سقوط غرناطة

كان بقاء مملكة غرناطة الإسلامية في الأندلس قرنين من الزمان معجزة من معجزات الإسلام ‏.‏

فهذه الجزيرة الإسلامية العائمة فوق بحر الصليبية المتلاطم الأمواج والطافح بالحقد والمكر التاريخيين ‏.‏‏.‏ هذه الجزيرة ما كان لها أن تصمد صمودها المشهور إلا لأن طبيعة الصمود كامنة في العقيدة والمبادئ الإسلامية ‏.‏ وبدون العقيدة الإسلامية ‏.‏‏.‏ ما كان لهذه الجزيرة أن تصمد وحدها في الأندلس بعد أن سقطت كل المدن والقلاع الإسلامية منذ قرنين من الزمان ‏.‏

كان قانون ‏"‏ الاستجابة للتحدي ‏"‏ هو الذي أبقى غرناطة حية زاخرة بالفكر الإسلامي والرقي الحضاري هذين القرنين ‏.‏‏.‏ وكان شعور الغرناطيين بأنهم أمام عدو محيط بهم من كل جانب ، ينتظر الفرصة لالتهامهم ، وبأنه لا أمل لهم في استيراد النصر من العالم الإسلامي ، وبأنه لا بد لهم من الاعتماد على أنفسهم ‏.‏‏.‏ كان هذا الشعور باعثهم الأكبر على الاستعداد الدائم ‏.‏‏ ورفع راية الجهاد والتمسك بإسلامهم ‏.‏

وبهذا نجحت غرناطة في أن تظل إلى سنة 1492م ‏(‏ 897 هـ‏)‏ سيدة الأندلس الإسلامي ومنارة العلوم وشعلة الحضارة الإسلامية الباقية في أوربا ‏.‏

لكن الأعوام القريبة من عام السقوط شهدت تطورا في الحياة الأندلسية ‏.‏‏.‏ فعلى المستوى النصراني بدأ ‏"‏ اتحاد ‏"‏ كبير يضم أكبر مملكتين مسيحيتين مناوئتين للإسلام ‏.‏‏.‏ وهما مملكتا أرجوان وقشتالة ، وقد اندمج الاثنان في اتحاد توجاه بزواج ‏"‏ إيزابيلا ‏"‏ ملكة قشتالة من ‏"‏ فرناند ‏"‏ ملك أرجوان ‏.‏‏.‏ وكان الحلم الذي يراود الزوجين الملكين الكاثوليكيين ليلة زفافهما هو دخول غرناطة ‏.‏‏.‏ وقضاء شهر عسلهما في الحمراء ، ورفع الصليب فوق برج الحراسة في غرناطة – أكبر أبراجها – وعلى المستوى الإسلامي ‏.‏‏.‏ كان ‏"‏ خلاف ‏"‏ كبير قد دب داخل مملكة غرناطة ولا سيما بين أبناء الأسرة الحاكمة ، وتم تقسيم مملكة غرناطة المحدودة قسمين ، يهدد كل قسم منهما الآخر ويقف له بالمرصاد ‏.‏‏.‏ قسم في العاصمة الكبيرة ‏(‏ غرناطة ‏)‏ يحكمه أبو عبد الله محمد علي أبو الحسن النصري ‏(‏ آخر ملوك غرناطة ‏)‏ وقسم في ‏(‏ وادي آش ‏)‏ وأعمالها يحكمه عمه أبو عبد الله محمد المعروف بالزغل ‏.‏

وقد بدأ الملكان الكوثوليكيان هجومهما على ‏(‏ وادي آش ‏)‏ سنة 894 هـ ، ونجحا في الاستيلاء على وادي آش وألمرية وبسطة ‏.‏‏.‏ وغيرها ، بحيث أصبحا على مشارف مدينة غرناطة ‏.‏

وقد أرسلا إلى السلطان أبي عبد الله النصري يطلبان منه تسليم مدينة الحمراء الزاهرة ، وأن يبقى هو حيا في غرناطة تحت حمايتها ‏.‏‏.‏ وكما هي العادة في الملوك الذين يركبهم التاريخ وهو يدور إحدى دوراته ، كان هذا الملك ضعيفا ‏.‏‏.‏ لم يحسب حسابا لذلك اليوم ‏.‏‏.‏ ولقد عرف أن هذا الطلب إنما يعني الاستسلام بالنسبة لآخر ممالك الإسلام في الأندلس فرفض الطلب ودارت الحرب بين المسلمين والنصارى واستمرت عامين ‏.‏‏.‏ يقودها ويشعل الحمية في نفوس المقاتلين فيها فارس إسلامي من هؤلاء الذين يظهرون كلمعة الشمس قبل الغروب ‏"‏ موسى بن أبي الغسان ‏"‏ ‏.‏

وبفضل هذا الفارس وأمثاله وقفت غرناطة في وجه الملكين الكاثوليكيين عامين وتحملت حصارهما سبعة أشهر ‏.‏‏.‏

لكن مع ذلك ‏.‏‏.‏ لم يكن ثمة شك في نهاية الصراع ‏.‏‏.‏ فأبو عبد الله الذي لم يحفظ ملكه حفظ الرجال ‏.‏ والانقسام العائلي والخلاف الداخلي في المملكة في مقابل اتحاد تام في الجبهة المسيحية ‏.‏‏.‏ مضافا إلى ذلك حصاد تاريخ طويل من الضياع والقومية الجاهلية والصراع بعيدا عن الإسلام ‏.‏‏.‏ عاشته غرناطة وورثته مما ورثته عن الممالك الإسلامية الإسبانية الساقطة،كل هذه العوامل قد عملت على إطفاء آخر شمعة إسلامية في الأندلس ‏.‏




تعليمية
¤ô¤ تـ،ــاريــ،ـــخ الأنــ،ـــدلـــ،ـــــس ¤ô¤

هذا الكتاب قام بعض الأخوة غفر الله لهم بتصويره ورفعه على الشبكة فجزاهم الله خيرا

http://www.waqfeya.com/books/10/0963/0963.rar
الحجم كبير 115 ميجا بايت ، لكن الكتاب أكثر مما تتصور

نبذة مختصرة عن الأندلس

الأندلس هو الأسم الذي أطلقه المسلمون على شبه جزيرة أيبيريا عام 711م. بعد أن دخلها المسلمون بقيادة طارق بن زياد وضمّوها للخلافة الأموية واستمر وجود المسلمين فيها حتى سقوط مملكة غرناطة عام 1492.
محتويات

* 1 مرحلة ما قبل فتح الأندلس
* 2 الفتح الإسلامي للأندلس
* 3 التوسع الإسلامي
* 4 خلافة قرطبة
* 5 ملوك الطوائف
* 6 دولتا المرابطين و الموحدين
* 7 مملكة غرناطة
* 8 سقوط الأندلس
* 9 انظر أيضاً
* 10 وصلات خارجية
* 11 مقالات ذات علاقة

تعليمية

مرحلة ما قبل فتح الأندلس

حقّق المسلمون تقدّماً واسعاً في شمال أفريقيا، ووصلوا إلى المغرب الأقصى (يقابل ما يُعرف اليوم بالمملكة المغربية) المواجه لشبه جزيرة أيبيريا. وذلك في عهد الوليد بن عبد الملك (86-96هـ). ثم استُبدلَ حسّان بن النعمان، والي أفريقيا،عام (85هـ)، بموسى بن نصير الذي توجّه من مصر إلى القيروان مصطحباً أولاده الأربعة الذين كانت لهم أدوار مهمة في التوسعات.

شرعَ بمعالجة نقاط الضعف التي واجهت المسلمين هناك، فقرّر العمل على تقوية البحرية الإسلامية، وجعل القيروان قاعدة حصينة في قلب أفريقيا، واعتمد سياسة معتدلة ومنفتحة تجاه البربر مما حوّل معظمهم إلى حلفاء له، بل دخلوا في الإسلام وأصبحوا فيما بعد عمادَ سقوط اسبانيا في يد المسلمين، واستكمل التوسع في شمال أفريقيا وتأمين المنطقة درءاً لتمرّدٍ قد ينشأ ضد السيادة الإسلامية.

وفي إحدى الحملات التي قادها موسى بن نصير بنفسه، استولى المسلمون على طنجة ذات الموقع المهم بين القارتين الأوروبية والأفريقية عام (89هـ/ 708م)، وحوّلها موسى بن نصير إلى مركز عسكري لتموين الحملات باتجاه المناطق المجاورة. وفي هذه الحملة برز طارق بن زياد.

لكنّ مدينة سبتة عصت على تلك الفتوحات، حيث استطاع حاكمها الوالي البيزنطي يوليان الصمود بوجه المسلمين. لكنه فيما بعد لعبَ دوراً أساسياً في تشجيعهم ومساعدتهم على عبور المضيق إلى الأندلس.

الفتح الإسلامي للأندلس
مقالة رئيسية: الفتح الإسلامي للأندلس

في عهد الوليد بن عبد الملك بين عامى (92 – 93 هـ) في الخلافة الأموية و في عام 711 م أرسل موسى بن نصير القائد الشاب طارق بن زياد من طنجة مع جيش صغير من البربر والعرب يوم 30 أبريل 711، عبر المضيق الذي سمي على اسمه، ثم استطاع الإنتصار على القوط الغربيين وقتل ملكهم لذريق (Roderic or Rodrigo) في معركة جواداليتي في 19 يوليو 711.أو معركة وادى برباط في 28 رمضان 92هجرى

وظلت الأندلس بعد ذلك خاضعة للخلافة الأموية كإحدى الولايات الرئيسة، إلى أن سقطت الخلافة الأموية سنة (132هـ)، واتجه العباسيون إلى استئصال الأمويين. وتمكن عبد الرحمن بن معاوية -عبد الرحمن الداخل- أن يفلت من قبضة العباسيين، فهرب إلى أخواله في الشمال الإفريقي، وأقام عندهم فترة من الزمن، ثم فكر في دخول الأندلس ليبتعد عن العباسيين، فراسل الأمويين في الأندلس.

بحلول عام 718 استولى المسلمون على معظم أيبيريا عدا جيباً صغيراً في الركن الشمالي الغربي حيث أسس النبيل القوطي بيلايو مملكة أستورياس في العام نفسه 718. واستطاع بيلايو الدفاع عن مملكته في وجه المسلمين في معركة كوفادونجا عام 722.واستمر موسى ابن النصير في محاولاته لفتح الاندلس

تعليمية

التوسع الإسلامي

واصل المسلمون التوسع بعد السيطرة على معظم أيبيريا لينتقلوا شمالاً عبر جبال البرنييه حتى وصلوا وسط فرنسا وغرب سويسرا. هـُزم الجيش الإسلامي في معركة بلاط الشهداء (بواتييه) عام 732 أمام قائد الفرنجة شارل مارتل. محاولة السيطرة على البرتغال: أرسل القائد موسى بن نصير إلى إبنه عبد العزيز ليستكمل الغزوات في غرب الأندلس حتى وصل إلى لشبونة أما موسى بن نصير وطارق بن زياد فقد اتّجها شمالاً إلى برشلونه ثم سرقسطه فشمال تجاه الوسط والغرب حتى انتهت السيطرة على كل الأندلس في 3 سنين ونصف

خلافة قرطبة

تشمل هذة الفترة قيام الدولة الأموية في الأندلس مما بين دخول عبد الرحمن الداخل قادماً من دمشق إلى شمال أفريقيا ثم الأندلس 136 هجرية حتى آخر خليفة أموي في الأندلس و هو هشام الثالث المعتد بالله سنة 416 هجرية وازدهار عصر الدولة الاموية في الاندلس وتحولت هذة الدولة من إمارة في عهد عبد الرحمن الناصر الذي سمى الدولة بالخلافة.

وأسس الأمويون حضارة إسلامية قوية في مدن الأندلس المختلفة. وهي أطول وأهم الفترات التي استقر فيها المسلمون في الأندلس الدولة الاموية ونقلوا إليها الحضارة الأدب والفن والعمارة الإسلامية، واثار الأمويون هي الطابع الغالب على الأندلس بأكملها ومن روائع ما خلفه الأمويون مسجد قرطبة. وقد كان ل عبدالرحمن الداخل جهود حضارية متميزة فقد جمل مدينة قرطبة وأحاطها بأسوار عالية وشيد بها المباني الفخمة والحمامات على شاكلة الحمامات في دمشق والمدن الاسلامية والمدارس والمنتديات والمكتبات.

وكان الطراز الاموي هو ابرز سمات الفن الاندلسي وبرع الامويون في شتى الفنون فن النحت على الخشب والزخرفة والنسيج والتحف المعدنية والنحاسية التى نقلوا صناعتها من دمشق حيث اصبحت مدن الاندلس منارة للعلم والحضارة وكانت قرطبة تنار بالمصابيح ليلا لمسافة 16 كم واحاط الخلفاء الامويون مدن الاندلس بالحدائق الغناء فكانت قبلة للناظرين وما تركوه وخلفوه لنا من اثار ينطق بالعظمة والجلال .




الفردوس المفقود
لماذا تاريخ الأندلس ؟

وقد يبرز هنا سؤال آخر، لماذا تاريخ الأندلس بالذات؟ لماذا ندرس تاريخ الأندلس دون غيره؟ فنقول: إن تاريخ الأندلس يشمل أكثر من ثمانمائة سنة كاملة، ثمانمائة سنة من تاريخ الإسلام، وتحديدًا من سنة 92 للهجرة إلى سنة 897 للهجرة، أي ثمانمائة سنة وخمس سنين، هذا إذا أغفلنا التداعيات التي أعقبت ما بعد 897 هجرية، فهي إذن فترة ليست بالهينة من تاريخ الإسلام.
فمن العجيب إذن ألا يعرف، أو يتعرف المسلمون على تفاصيل فترة هي أكثر من ثلثي التاريخ الإسلامي، هذا أمر. والأمر الآخر أن تاريخ الأندلس لكبر حجمه وسعة مساحته، مرت فيه كثير من دورات التاريخ التي اكتملت ثم انتهت، فسنن الله في تاريخ الأندلس واضحة للعيان، ففيه كثير من الأمم قامت وارتفع نجمها، وفيه أيضا كثير من الأمم سقطت وأفل نجمها، كثير من الدول أصبحت قوية، ومن ثم راحت تفتح ما حولها من البلاد، وكثير من الدول سقطت وهوت، وأصبحت في تعداد الدول المنهزمة والتي نسمع عن مثلها في هذه الآونة، أيضا ظهر في تاريخ الأندلس المجاهد الشجاع، وظهر في تاريخ الأندلس الخائف الجبان، ظهر في تاريخ الأندلس التقي الورع، وظهر في تاريخ الأندلس المخالف لشرع ربه سبحانه وتعالى، ظهر في تاريخ الأندلس الأمين على نفسه وعلى دينه وعلى وطنه، وظهر في تاريخ الأندلس الخائن لنفسه ولدينه ولوطنه، ظهرت كل هذه النماذج، وتساوى فيها الحكام والمحكومين والعلماء وحتى عوام الناس.
وإن دراسة مثل هذه الأمور يفيد كثيرا في استقراء المستقبل المجهول للمسلمين.

تعليمية

هل سمعت عما جرى في الأندلس ؟

والآن، تُرى كم من المسلمين يسمع عن موقعة وادي برباط؟ تلك الموقعة التي تُعد من أهم المواقع في التاريخ الإسلامي، الموقعة التي فُتحت فيها الأندلس، الموقعة التي تُشَبّه في التاريخ بموقعتي اليرموك والقادسية، ومع ذلك جم غفير من المسلمين لا يسمع من الأساس عن وادي برباط.
وتُرى، هل قصة حرق السفن التي حدثت في عهد طارق بن زياد رحمه الله هل هي حقيقة؟ أم من نسج الخيال؟ كثير من الناس لا يعلم حقيقة وتفاصيل هذه القصة، وكيف حدثت؟ إن كانت حدثت، وإن لم يكن قد حدثت في الأصل فلماذا انتشرت بين الناس؟!
ثم، من هو عبد الرحمن الداخل رحمه الله؟ وكم من الناس يعرف تاريخه؟ ذلك الرجل الذي قال عنه المؤرخون: لولا عبد الرحمن الداخل لانتهى الإسلام بالكلية من بلاد الأندلس.
ومن هو عبد الرحمن الناصر؟ أعظم ملوك أوروبا في القرون الوسطى على الإطلاق. ماذا تعرف عن حياته؟ كيف وصل إلى هذه الدرجة العالية؟ وكيف أصبح أكبر قوة في عالم عصره؟يوسف بن تشفين رحمه الله القائد الرباني، صاحب موقعة الزلاقة، كيف نشأ؟ كيف ربّى الناس على حياة الجهاد؟ كيف تمكن من الأمور؟ بل كيف ساد دولة ما وصل المسلمون إلى أبعادها في كثير من الفترات؟أبو بكر بن عمر اللنتوني، من يسمع عن هذا الاسم؟؟ من يسمع عن ذلك المجاهد الذي دخل الإسلام على يده أكثر من خمس عشرة دولة إفريقية؟! إنه أبو بكر بن عمر اللنتوني، من يسمع عنه؟من يسمع عن أبي يوسف يعقوب المنصور، صاحب موقعة الأرك الخالدة، تلك التي دُكّت فيها حصون النصارى وانتصر فيها المسلمون نصرا ساحقا؟من يسمع عن دولة المرابطين المجاهدة؟ ومن يسمع عن دولة الموحدين وكيف قامت؟من يسمع عن مسجد قرطبة؟ ذلك المسجد الذي كان يُعد أوسع مساجد العالم، ثم كيف حُوّل إلى كنيسة ما زالت قائمة إلى اليوم؟من يسمع عن مسجد أشبيليه؟ من يسمع عن جامعة قرطبة؟ من يسمع عن قصر الزهراء ومدينة الزهراء؟ من يسمع عن قصر الحمراء؟ وغيرها من الأماكن الخالدة التي أمست رسوما وأطلالا، وهي اليوم في عداد أفضل المناطق السياحية في إسبانيا وتُزار من عموم الناس سواء مسلمين أو غير مسلمين.

ثم من يسمع عن موقعة العقاب؟ تلك التي مُني فيها المسلمون بهزيمة ساحقة ، رغم تفوقهم على عدوهم في العدد والعدة، وكأن حنين عادت من غابر التاريخ لتروي أحداثها في موقعة العقاب، تلك الموقعة التي قال عنها المؤرخون: بعد موقعة العقاب لم يُر في الأندلس شاب صالح للقتال.

من يعلم أن عدد المسلمين الذين هلكوا في هذه الموقعة الضخمة قد تجاوز ثمانين ألف مسلم؟ فهل نسمع عن موقعة العقاب؟كيف سقطت الأندلس؟ وما هي عوامل السقوط التي إن تكررت في أمة من المسلمين سقطت لا محالة بفعل سنن الله الثابتة.
ثم كيف وأين سطعت شمس الإسلام بعد سقوط الأندلس؟ كيف جاء غروب شمس الإسلام في الأندلس في غرب أوروبا متزامنا مع إشراقها وسطوعها في القسطنطينية شرق أوربا؟ما هي مأساة بلانسير ؟ وكيف قتل ستة آلاف مسلم في يوم واحد؟ وما هي مأساة أوبدّة؟ وكيف قتل ستة آلاف مسلم آخرين في يوم واحد؟ما هي مأساة بربشتر، وكيف قتل أربعة آلاف مسلم في يوم واحد، وسبي سبعة آلاف فتاة بكر من فتيات بربشتر؟ وإننا لنشاهد هذه الأحداث الغابرة تتحدث الآن عن نفسها في البوسنة والهرسك.
ماذا كان رد فعل المسلمين، وكيف تصرفوا، وكيف قاموا من هذه المآسي المفزعة، أسئلة كثيرة وكثيرة، لو استطعنا الإجابة عنها لعرفنا كيف ننهض الآن ونقوم.
فتاريخ الأندلس بصفحاته الطويلة – أكثر من ثمانمائة سنة – يعد ثروة حقيقية، وثروة ضخمة جدًّا من العلم والخبرة والعِبرة، ومن المستحيل في هذه الدراسة أن نلم بكل أحداثه وتفصيلاته، ولذلك فلا بد وأن نُغفل منه بعض الجوانب، ليس تقليلا من شأنها وإنما اختصارا للمساحة.
وواجب على الجميع أن يبحث في هذا التاريخ، تاريخ الأندلس، تاريخ ثمانمائة سنة؛ إذ هو يحتاج أكثر وأكثر مما أفردنا له، فلا بد من القراءة والاستزادة من المصادر التاريخية وغيرها.

وتاريخ الأندلس هذا يعد جزءا ضئيلا جدا من تاريخ الدولة الإسلامية ذات الألف وأربعمائة عام من الزمن.

تعليمية

التعريف ببلاد الأندلس

وفي بداية الحديث عن تاريخ الأندلس نرد أولا عما قد يُثار من أسئلة حول معنى هذه الكلمة والمراد منها، فبلاد الأندلس هي اليوم دولتي إسبانيا والبرتغال، أو ما يُسمى شبه الجزيرة الأيبيرية، ومساحتها (مجموع الدولتين) ستمائة ألف كيلو متر، أي أقل من ثُلثي مساحة مصر.
وعن سبب تسميتها بالأندلس فقد كانت هناك بعض القبائل الهمجية التي جاءت من شمال إسكندناف من بلاد السويد والدانمارك والنرويج وغيرها، وهجمت على منطقة الأندلس وعاشت فيها فترة منذ القرن الأول الميلادي، ويقال أن هذه القبائل جاءت من ألمانيا، وما يهمنا هو أن هذه القبائل كانت تسمى قبائل الفندال أو الوندال بالللغة العربية؛ فسميت هذه البلاد بفاندليسيا على اسم القبائل التي كانت تعيش فيها، ومع الأيام حُرف إلى أندوليسيا فأندلس.
وقد كانت هذه القبائل تتسم بالوحشية والهمجية حتى إن في الإنجليزية إلى الآن همجية ووحشية تعني فندليزم، وتعني أيضا أسلوب بدائي أو غير حضاري، وهو المعنى والاعتقاد الذي رسخته قبائل الفندال، وقد خرجت هذه القبائل من الأندلس وحكمها طوائف أخرى من النصارى عُرفت في التاريخ باسم قبائل القوط أو القوط الغربيين، وظلوا يحكمون الأندلس حتى قدوم المسلمين إليها.
لماذا اتجه المسلمون في فتوحاتهم إلى بلاد الأندس بالذات من بلاد العالم، وأيضا لم هذا التوقيت بعينه أي سنة اثنتين وتسعين من الهجرة؟ المسلمون كانوا قد فتحوا الشمال الإفريقي كله، ففتحوا مصر وليبيا وتونس والجزائر والمغرب، ووصلوا إلى حدود المغرب الأقصى والمحيط الأطلسي،ومن ثم لم يكن أمامهم في سير فتوحاتهم إلا أحد سبيلين، إما أن يتجهوا شمالا، ويعبروا مضيق جبل طارق ويدخلوا بلاد إسبانيا والبرتغال وهي بلاد الأندلس آنذاك، وإما أن يتجهوا جنوبا صوب الصحراء الكبرى ذات المساحات الشاسعة والأعداد القليلة من السكان، والمسلمون بدورهم ليس من همهم إلا البحث عن تجمعات البشر حتى يعلمونهم دين الله سبحانه وتعالى، ولم يكن همهم البحث عن الأراضي الواسعة أو جمع الممتلكات.
في أي زمان تم فتح الأندلس؟ سؤال مهم جدا ونقصد به: مع أي العصور الإسلامية يتوافق تاريخ فتح الأندلس وهو اثنتان وتسعون من الهجرة؟ والجواب أن هذه الفترة كانت من فترات الدولة الأموية، وتحديدا في خلافة الوليد بن عبد الملك رحمه الله الخليفة الأموي الذي حكم من سنة ست وثمانين إلى سنة ست وتسعين من الهجرة، وهذا يعني أن فتح الأندلس كان في منتصف خلافة الوليد الأموي رحمه الله.

أوروبا حال الفتح الإسلامي للأندلس
من المفيد جدا أن نتعرف على حالة أوروبا والوضع الذي كانت عليه – خاصة بلاد الأندلس – عند الفتح الإسلامي وكيف كان؟ وكيف تغير هذا الوضع وهذا الحال بعد دخول أهل هذه البلاد الإسلام؟ والواقع أن أوروبا في ذلك الوقت كانت تعيش فترة من فترات الجهل العظيم جدا، حيث الظلم هو القانون السائد، فالحكام يمتلكون الأموال وخيرات البلاد، والشعوب تعيش في بؤس كبير، والحكام بنوا القصور والقلاع والحصون، بينما عامة الشعب لا يجد المأوى ولا السكن، وإنما هم في فقر شديد، بل إنهم يباعون ويشترون مع الأرض، وبالنسبة للفرد نفسه، فالأخلاق متدنية والحرمات منتهكة، وبُعد حتى عن مقومات الحياة الطبيعية، فالنظافة الشخصية – على سبيل المثال – مختفية بالمرة، حتى إنهم كانوا يتركون شعورهم تنسدل على وجوههم ولا يهذبونها، وكانوا – كما يذكر الرحالة المسلمين الذين جابوا هذه البلاد في هذا الوقت – لا يستحمّون في العام إلا مرة أو مرتين، بل يظنون أن هذه الأوساخ التي تتراكم على أجسادهم هي صحة لهذا الجسد، وهي خير وبركة له.
وكانوا يتفاهمون بالإشارة، فليست لهم لغة منطوقة أصلا فضلا عن أن تكون مكتوبة، وكانوا يعتقدون بعض اعتقادات الهنود والمجوس من إحراق المتوفى عند موته، ومن حرق زوجته معه وهي حية، أو حرق جاريته معه، أو من كان يحبه من الناس، والناس تعلم وتشاهد هذا الأمر، فكانت أوربا بصفة عامة قبل الفتح الإسلامي يسودها التخلف والظلم والفقر الشديد، والبعد التام عن أي وجه من أوجه الحضارة المدنية، ولنقارن هذا بما أصبحت عليه أوروبا وبلاد الأندلس بعد الفتح الإسلامي.
تعليمية
المسلمون في الشمال الإفريقي
لكي نفهم الفتح الإسلامي للأندلس لا بد أن نتعرف على طبيعة الوضع في البلاد الملاصقة لهذا البلد وهي بلاد الشمال الإفريقي، فقد دخلها الإسلام قبل فتح الأندلس بسبعين سنة، أي سنة ثلاث وعشرين من الهجرة، وكان يسكن هذا الإقليم (إقليم الشمال الإفريقي) قبائل ضخمة تسمى قبائل البربر – سنفصل الأمر فيها قريبا بمشيئة الله – وهذه القبائل كانت دائمة الارتداد عن دين الله سبحانه وتعالى، فتدخل في الإسلام، ثم ترتد، ثم تسلم، ثم ترتد، ودارت حروب بين هذه القبائل والمسلمين انتهت باستقرار الإسلام في هذا الإقليم أواخر سنة خمس أو ست وثمانين من الهجرة على يد موسى بن نصير رحمه الله.
تعليمية
فكرة فتح الأندلس
لم تكن فكرة فتح الأندلس وليدة أيام موسى بن نصير، بل إنها فكرة قديمة جدا، فمنذ أن استعصت القسطنطينية على الفتح زمن عثمان بن عفان رضي الله عنه – وكانت الحملات الإسلامية قد وصلت إليها – قال قولته: إن القسطنطينية إنما تفتح من قِبَل البحر، وأنتم إذا فتحتم الأندلس فأنتم شركاء لمن يفتح القسطنطينية في الأجر.
فكان عثمان رضي الله عنه يعني أن المسلمين سيفتحون الأندلس أولا (غرب أوروبا) ثم يتوجهون منها صوب القسطنطينية (شرق أوروبا) فيفتحونها من قِبَل الغرب لا من قِبَل الشرق، من جهة البحر الأسود في ذلك الوقت،
لكن المسلمين لم يستطيعوا أن يصلوا إلى هذه المنطقة من المغرب العربي إلا في أيام بني أمية وفي فترة حكم موسى بن نصير على الشمال الإفريقي.

تعليمية

موسى بن نصير وعقبات فتح الأندلس
العقبة الأولى: قلة السفن
وجد موسى بن نصير أن المسافة المائية التي سيقطعها بين المغرب والأندلس لا تقل عن ثلاثة عشر كيلو مترا، وهو ليس لديه سفنا كافية لعبور هذه العقبة المائية، فمعظم فتوحات المسلمين – باستثناء بعض المواقع مثل ذات الصواري وفتح قبرص – كانت برية، ومن ثم لم يكن هناك حاجة كبيرة إلى سفن ضخمة، تلك التي احتاجوا إليها هنا لتنقل الجنود وتعبر بهم مضيق جبل طارق ليصلوا إلى الأندلس.
العقبة الثانية:
وجود جزر البليار النصرانية في ظهره إن دخل الأندلس
كان موسى بن نصير قد تعلم من أخطاء سابقيه؛ فلم يخطو خطوة حتى يأمن ظهره أولا، وفي شرق الأندلس كانت تقع جزر تسمى جزر البليار، وهي قريبة جدا من الأندلس، ومن هنا فإن ظهره لن يكون آمنا إن هو دخل الأندلس، وكان عليه أولا أن يحمي ظهره حتى لو كانت هذه الجزر تابعة للرومان.
العقبة الثالثة:
وجود ميناء سبتة المطل على مضيق جبل طارق في يد نصارى على علاقة بملوك الأندلس
كان ميناء سبتة المطل على مضيق جبل طارق والذي لم يُفتح مع بلدان الشمال الإفريقي، كان يحكمه ملك نصراني يُدعى يُليان أو جريان، وكان لهذا الملك علاقات طيبة بملك الأندلس الأسبق غَيْطَشَة، وغيطشة هذا كان قد انقلب عليه لوذريق أو رودريقو – كما يُنطق في بعض الأحيان – وتولى حكم الأندلس، وكانت العقبة تكمن في خوف موسى بن نصير من أن ينقلب عليه يوليان صاحب ميناء سبتة والذي سيكون في ظهره ويتحد مع لوزريق صاحب الأندلس، حتى وإن كان على خلاف معه، فمن يضمن ألا يدخل يوليان مع لوزريق في حربه ضد موسى بن نصير نظير مقابل مادي أو تحت أي بند آخر؟
العقبة الرابعة: قلة عدد المسلمين
كانت العقبة الرابعة التي واجهت موسى بن نصير هي أن قوات المسلمين الفاتحين التي جاءت من جزيرة العرب ومن الشام واليمن قوات محدودة جدا، وكانت في نفس الوقت منتشرة في بلاد الشمال الإفريقي، ومن ثم فقد لا يستطيع أن يتم فتح الأندلس بهذا العدد القليل من المسلمين، هذا مع خوفه من أن تنقلب عليه بلاد الشمال الإفريقي إذ هو خرج منها بقواته.
العقبة الخامسة: قوة عدد النصارى
في مقابل قوة المسلمين المحدودة كانت تقف قوات النصارى بعدتها وضخامتها عقبة في طريق موسى بن نصير لفتح الأندلس، فكان للنصارى في الأندلس أعداد ضخمة، هذا بجانب قوة عدتهم وكثرة قلاعهم وحصونهم، وإضافة إلى ذلك فهم تحت قيادة لوزريق القائد القوي المتكبر.
العقبة السادسة
طبيعة جغرافية الأندلس وكونها أرض مجهولة بالنسبة للمسلمين
وقف البحر حاجزا بين المسلمين وبين بلاد الأندلس، فلم تعبر سفنهم هذه المنطقة من قبل فضلا عن أن يرتادوها أصلا، ومن ثم فلم يكن لهم علم بطبيعتها وجغرافيتها، الأمر الذي سيجعل من الصعوبة الإقدام على غزو أو فتح هذه البلاد، وفضلا عن هذا فقد كانت بلاد الأندلس تتميز بكثرة الجبال والأنهار، تلك التي ستقف عقبة كئود أمام حركة أي جيش قادم، خاصة إذا كانت الخيول والبغال والحمير هي أهم وسائل ذلك الجيش في نقل العدة والعتاد.
تعليمية

موسى بن نصير ومواجهة العقبات
أولا: بناء الموانئ وإنشاء السفن
عمد موسى بن نصير أول أمره في سبيل تجاوز عقبات الطريق إلى الأندلس إلى إنشاء السفن؛ فبدأ في سنة سبع وثمانين أو ثمان وثمانين ببناء الموانئ الضخمة والتي يبنى فيها السفن، وهذ وإن كان يعد أمرا يطول أمده إلا أنه بدأه بهمة عالية وإرادة صلبة؛ فبنى أكثر من ميناء في الشمال الإفريقي، كان أشهرها ميناء القيروان (المدينة التي فتحها عقبة بن نافع).
ثانيا: تعليم البربر الإسلام
وفي أثناء ذلك أيضا عمد موسى بن نصير إلى تعليم البربر الإسلام في مجالس خاصة لهم كما الدورات المكثفة تماما، حتى إنه بدأ في تكوين جيش الإسلام منهم أنفسهم، وهذا الصنيع من الصعب إن لم يكن من المستحيل أن نجده عند غير المسلمين؛ فلم توجد دولة محاربة أو فاتحة غير الدول الإسلامية تُغيّر من طبائع الناس وحبهم وولائهم الذي كانوا عليه، حتى يصبحوا هم المدافعين عن دين هذه الدولة المحاربة أو الفاتحة، خاصة وإن كانوا ما زالوا حديث عهد بهذا الفتح أو بهذا الدين الجديد،فهذا أمر عجيب حقا، ولا يتكرر إلا مع المسلمين وحدهم، فقد ظلت فرنسا – على سبيل المثال – في الجزائر مائة وثلاثين عاما ثم خرجت والجزائريون ظلوا كما كانوا على الإسلام لم يتغيروا، بل زاد حماسهم له وزادت صحوتهم الإسلامية، علّم موسى بن نصير البربر الإسلام عقيدة وعملا، وغرس فيهم حب الجهاد وبذل النفس والنفيس لله سبحانه وتعالى، فكان أن صار جُلّ الجيش الإسلامي وعماده من البربر الذين كانوا منذ ما لا يزيد على خمس سنين من المحاربين له.
ثالثا: تولية طارق بن زياد على الجيش
هو قبلة الجيش وعموده، بهذا الفهم ولّى موسى بن نصير على قيادة جيشه المتجه إلى فتح بلاد الأندلس القائد البربري المحنك طارق بن زياد، ذلك القائد الذي جمع بين التقوى والورع والكفاءة الحربية وحب الجهاد والرغبة في الاستشهاد في سبيل الله، ورغم أنه كان من البربر وليس من العرب إلا أن موسى بن نصير قدمه على غيره من العرب، وكان ذلك لعدة أسباب منها:
الكفاءةلم يمنع كون طارق بن زياد غير عربي أن يوليه موسى بن نصير على قيادة الجيش؛ فهو يعلم أنه ليس لعربي على أعجمي ولا لعجمي على عربي، ولا لأحمر على أسود ولا لأسود على أحمر فضل إلا بالتقوى، فقد وجد فيه الفضل على غيره والكفاءة في القيام بهذه المهمة على أكمل وجهقدرته على فَهم وقيادة قومهإضافة إلى الكفاءة فقد كان من البربر، وذلك أدعى للقضاء على أيٍ من العوامل النفسية التي قد تختلج في نفوس البربريين الذين دخلوا الإسلام حديثا، ومن ثم يستطيع قيادة البربرجميعا وتطويعهم للهدف الذي يصبو إليه، ثم ولكونه بربريا فهو قادر على فهم لغة قومه؛ إذ ليس كل البربر يتقنون الحديث بالعربية، وكان طارق بن زياد يجيد اللغتين العربية والبربرية بطلاقة، ولهذه الأسباب وغيرها رأى موسى بن نصير أنه يصلح لقيادة الجيش فولاه إياه.
رابعا: فتح جزر البليار وضمها إلى أملاك المسلمين
من أهم الوسائل التي قام بها موسى بن نصير تمهيدا لفتح الأندلس وتأمينا لظهره كما كان عهده بذلك، قام بفتح جزر البليار التي ذكرناها سابقا وضمها إلى أملاك المسلمين، وهو بهذا يكون قد أمّن ظهره من جهة الشرق، وهذا العمل يدل على حنكة وحكمة عظيمة لهذا القائد الذي أُغفل دوره في التاريخ الإسلامي.

مشكلة سبتة والعناية الإلهية
استطاع موسى بن نصير أن يتغلب على قلة عدد الجيش من خلال البربر أنفسهم، كذلك تغلب على العقبة المتمثلة في قلة السفن نسبيا ببناء موانئ وسفن جديدة، وبقيت أرض الأندلس كما هي أرضا مجهولة له، وكذلك ظلت مشكلة ميناء سبتة قائمة لم تُحل، وهي -كما ذكرنا – ميناء حصين جدا يحكمه النصراني يوليان، وقد استنفد موسى بن نصير جهده وطاقته وفعل كل ما في وسعه ولم يجد حلا لهاتين المشكلتين، وهنا وفقط كان لا بد للأمر الإلهي والتدبير الإلهي أن يتدخل: [إِنَّ اللهَ يُدَافِعُ عَنِ الَّذِينَ آَمَنُوا إِنَّ اللهَ لَا يُحِبُّ كُلَّ خَوَّانٍ كَفُورٍ] {الحج:38} . [وَمَا رَمَيْتَ إِذْ رَمَيْتَ وَلَكِنَّ اللهَ رَمَى] {الأنفال:17} . وهذا بالفعل ما حدث وتجسد في فعل يوليان صاحب سبتة وكان على النحو التالي:
فكر يوليان جديا في الأمر من حوله، وكيف أن الأرض بدأت تضيق عليه وتتآكل من قِبَل المسلمين الذين يزدادون قوة يوما بعد يوم، وإلى متى سيظل صامدا أمامهم إن هم أتوا إليه؟
كان يوليان مع ذلك يحمل الحقد الدفين على لذريق حاكم الأندلس ذلك الذي قتل غيطشة صاحبه الأول، وقد كان بينهما علاقات طيبة، حتى إن أولاد غيطشة من بعده استنجدوا بيوليان هذا ليساعدهم في حرب لذريق، ولكن هيهات فلا طاقة ليوليان بلذريق ولا طاقة لأولاد غيطشة أيضا به، ومن هنا فكان ثمة عداء متأصل بين صاحب سبتة وحاكم الأندلس؛ ومن ثم فإلى أين سيفر يوليان إن استولى المسلمون على ميناء سبتة؟

الأمر الأخير الذي دار في خلد يوليان هو أن أولاد غيطشة القريبين منه كان لهم من الضياع الضخمة في الأندلس الكثير والتي صادرها وأخذها منهم لذريق قاتل أبيهم، وكان يوليان يريد أن يستردها لهم، وكان لذريق أيضا قد فرض على شعبه الضرائب الباهظة وأذاقهم الأمرّين؛ فعاشوا في فقر وبؤس شديد بينما هو في نعيم دائم ومُلك يتصرف فيه كيف يشاء؛ ومن هنا فكان شعبه يكرهه ويتمنى الخلاص منه.

ومن تدبير رب العالمين أن اختمرت هذه الأفكار جيدا في عقل يوليان – وموسى بن نصير آنذاك قد استنفد جهده وحار في أمره – فإذا به يُرسل إلى طارق بن زياد والي طنجة (على بعد عدة كيلو مترات من ميناء سبتة)

برسل من قِبَله يعرض عليه عرضا للتفاوض، أما تدبير العناية الإلهية والمفاجأة فكانت في بنود هذا العرض وهذا الطلب العجيب الذي نص على ما يلي:
نسلمك ميناء سبتة. تلك المعضلة التي حار المسلمون أعواما في الاهتداء إلى حل لها؛ حيث كانت فوق مقدراتهم.

نمدك ببعض السفن التي تساعدك في عبور مضيق جبل طارق إلى الأندلس. وكأن الله سبحانه وتعالى أراد أن يقول: سأتم ما لم يستطع المسلمون إتمامه ووقفت عندهم قدراتهم، حتى ولو كان ذلك من قِبَل أعدائهم، وقد علمنا مدى احتياج موسى بن نصير لهذه السفن.

نمدك بالمعلومات الكافية عن أرض الأندلس.

أما المقابل فهو: ضيعات وأملاك غيطشة التي صادرها لذريق. وكان لغيطشة ثلاث آلاف ضيعة (ضيعة تعني عقَارُ وأرضٌ مُغِلَّةُ)، وكانت ملكا لأولاده من بعده، فأخذها منهم لذريق وصادرها.

ما أجمل العرض وأحسن الطلب:
وبهذا العرض فقد أراد يوليان صاحب سبتة أن يتنازل للمسلمين عن سبتة ويساعدهم في الوصول إلى الأندلس، ثم حين يحكمها المسلمون يسمع يوليان ويطيع، على أن يرد المسلمون بعد ذلك ضيعات وأملاك غيطشة، فما أجمل العرض وما أحسن الطلب! وما أعظم السلعة وما أهون الثمن!
المسلمون لم يفكروا يوما في مغنم أو ثروة أو مال حال فتوحاتهم البلاد، لم يرغبوا يوما في دنيا يملكها غيطشة أو يوليان أو لذريق أوغيرهم، كان جل هدفهم تعليم الناس الإسلام وتعبيدهم لرب العباد، فإذا دخل الناس في الإسلام كان لهم ما للمسلمين وعليهم ما على المسلمين، بل لو لم يدخلوا في الإسلام وأرادوا دفع الجزية فحينئذ يُترك لهم كل ما يملكونومن هنا فكان الثمن هينا جدا والعرض غاية الآمال، فبعث طارق بن زياد إلى موسى بن نصير وكان في القيروان عاصمة الشمال الإفريقي آنذاك (وهي في تونس الآن) يخبره هذا الخبر، فسُرّ سرورا عظيما، ثم بعث موسى بن نصير بدوره إلى الخليفة الأموي الوليد بن عبد الملك يطلعه أيضا الخبر ويستأذنه في فتح الأندلس.
وهنا أذن له الوليد بن عبد الملك إلا أنه شرط عليه شرطا كان قد فكر فيه قبل ذلك موسى بن نصير نفسه، وهو: ألا تدخل بلاد الأندلس حتى تختبرها بسرية من المسلمين، فمن أدراك أن المعلومات التي سيقدمها لك يوليان عن الأندلس ستكون صحيحة؟ ومن يضمن لك ألا يخون يوليان عهده معك أو يتفق من ورائك مع لذريق أو مع غيره عليك؟

تعليمية
سرية طريف بن مالك أول سرية للمسلمين إلى الأندلس
جهز موسى بن نصير بالفعل سرية من خمسمائة رجل وجعل رأسهم طَريف بن مالك- أو ملوك كما جاء في روايات أخرى- وكان طريف أيضا من البربر كما كان القائد طارق بن زياد، وهذه مزية تفرد بها الإسلام كما ذكرت، خاصة وأن طريف من البربر حديثي العهد بالإسلام وهو الآن وبعد أن كان يحارب الإسلام صار قائدا مدافعا عن الإسلام وناشرا له،سار طريف بن مالك من المغرب على رأس خمسمائة من المسلمين صوب الأندلس، وقد وصلها في رمضان سنة واحد وتسعين من الهجرة، وقام بمهمته في دراسة منطقة الأندلس الجنوبية والتي سينزل بها الجيش الإسلامي بعد ذلك على أكمل وجه، ثم عاد بعد انتهائه منها إلى موسى بن نصير وشرح له ما رآه، وفي أناة شديدة وعمل دءوب ظل موسى بن نصير عاما كاملا بعد عودة طريف بن مالك يجهز الجيش ويعد العدة، حتى أعد في هذه السنة سبعة آلاف مقاتل، وبهم بدأ الفتح الإسلامي للأندلس رغم الأعداد الضخمة لقوات النصارى هناك.

تعليمية

الصدام الأول وبدايات الفتح الإسلامي للأندلس
في شعبان من سنة اثنتين وتسعين من الهجرة تحرك هذا الجيش المكون من سبعة آلاف فقط، وعلى رأسه القائد طارق بن زياد، تحرك هذا الجيش وعبر مضيق جبل طارق، والذي ما سُمّي بهذا الاسم (مضيق جبل طارق) إلا في هذا الوقت؛ وذلك لأن طارق بن زياد حين عبر المضيق نزل عند هذا الجبل، وقد ظل إلى الآن حتى في اللغة الإسبانية يسمى جبل طارق ومضيق جبل طارق، ومن جبل طارق انتقل طارق بن زياد إلى منطقة واسعة تسمى الجزيرة الخضراء، وهناك قابل الجيش الجنوبي للأندلس، وهو حامية جيش النصارى في هذه المنطقة فلم تكن قوة كبيرة، وكعادة الفاتحين المسلمين فقد عرض طارق بن زياد عليهم: الدخول في الإسلام ويكون لكم ما لنا وعليكم ما علينا ونترككم وأملاككم، أو دفع الجزية ونترك لكم أيضا ما في أيديكم، أو القتال، ولن نؤخركم إلا لثلاث، لكن تلك الحامية أخذتها العزة وأبت إلا القتال، فكانت الحرب وكانت سجالا بين الفريقين حتى انتصر عليهم طارق بن زياد، فأرسل زعيم تلك الحامية رسالة عاجلة إلى لذريق وكان في طليطلة عاصمة الأندلس، يقول له فيها: أدركنا يا لذريق؛ فإنه قد نزل علينا قوم لا ندري أهم من أهل الأرض أم من أهل السماء؟!
تعليمية

موقعة وادي برباط وفتح الأندلس

حين وصلت رسالة قائد الحامية إلى لذريق جن جنونه، وفي غرور وصلف جمّع جيشا قوامه مائة ألف من الفرسان، وجاء بهم من الشمال إلى الجنوب يقصد جيش المسلمين، كان طارق بن زياد في سبعة آلاف فقط من المسلمين جلهم من الرّجّالة وعدد محدود جدا من الخيل، فلما أبصر أمر لذريق وجد صعوبة جدا في هذا القياس، سبعة آلاف أمام مائة ألف، فأرسل إلى موسى بن نصير يطلب منه المدد، فبعث إليه طريف بن مالك على رأس خمسة آلاف آخرين رجالة أيضا، وصل طريف بن مالك إلى طارق بن زياد وأصبح عدد جيش المسلمين اثني عشر ألف مقاتل، وبدأ طارق بن زياد يستعد للمعركة، فكان أول ما صنع بحث عن أرض تصلح للقتال حتى هداه البحث إلى منطقة تسمى في التاريخ وادي البرباط، وتسمى في بعض المصادر وادي لُقّة أو لِقة بالكسر، وتسميها بعض المصادر أيضا وادي لُكّة،ولقد كان لاختيار طارق بن زياد لهذا المكان أبعاد استراتيجية وعسكرية عظيمة، فقد كان من خلفه وعن يمينه جبل شاهق، وبه حمى ظهره وميمنته فلا يستطيع أحد أن يلتف حوله، وكان في ميسرته أيضا بحيرة عظيمة فهي ناحية آمنة تماما، ثم وضع على المدخل الجنوبي لهذا الوادي (أي في ظهره) فرقة قوية بقيادة طريف بن مالك؛ حتى لا يباغت أحد ظهر المسلمين، ومن ثم يستطيع أن يستدرج قوات النصارى من الناحية الأمامية إلى هذه المنطقة، ولا يستطيع أحد أن يلتف من حوله، ومن بعيد جاء لذريق في أبهى زينة، يلبس التاج الذهبي والثياب الموشاة بالذهب، وقد جلس على سرير محلى بالذهب يجره بغلين، فلم يستطع أن يتخلى عن دنياه حتى وهو في لحظات الحروب والقتال، وقدم على رأس مائة ألف من الفرسان، وجاء معه بحبال محملة على بغال؛ لتقييد المسلمين بها وأخذهم عبيدا بعد انتهاء المعركة، وهكذا في صلف وغرور ظن أنه حسم المعركة لصالحه؛ فبمنطقه وبقياسه أن اثني عشر ألفا يحتاجون إلى الشفقة والرحمة، وهم أمام مائة ألف من أصحاب الأرض مصدر الإمداد.

وفي الثامن والعشرين من شهر رمضان سنة اثنتين وتسعين من الهجرة يتم اللقاء في وادي برباط، وتدور معركة هي من أشرس المعارك في تاريخ المسلمين، وإن الناظر العادي إلى طرفي المعركة ليدخل في قلبه الشفقة حقا على المسلمين الذين لا يتعدى عددهم الاثني عشر ألفا وهم يواجهون مائة ألف كاملة، فبمنطق العقل كيف يقاتلون فضلا عن أن يَغلبوا؟!

هكذا وفي شهرمضان بدأت معركة وادي برباط الغير متكافئة ظاهريا والمحسومة بالمنطق الرباني، بدأت في شهر الصيام والقرآن، الشهر الذي ارتبط اسمه بالمعارك والفتوحات والانتصارات، ولكن وللأسف تحول هذا الشهر الآن إلى موعد مع الزمن لإنتاج أحدث المسلسلات والأفلام وغيرها، تحول إلى نوم بالنهار وسهر بالليل لا للقرآن أو للقيام، ولكن لمتابعة أو ملاحقة المعروضات الجديدة على الفضائيات وغير الفضائيات، تحول إلى شهر المراوغة من العمل، وقد كان المسلمون ينتظرونه للقيام بأشق الأعمال وأكدّها، تحول إلى شهر الضيق وافتعال المضايقات، وهو شهر الصبر والجهاد وتهذيب للنفس، ففي هذا الشهر الكريم وقبل العيد بيوم أويومين – وهكذا كانت أعياد المسلمين – وعلى مدى ثمانية أيام متصلة دارت رحى الحرب، وبدأ القتال الضاري الشرس بين المسلمين والنصارى، أمواج من النصارى تنهمر على المسلمين، والمسلمون صابرون صامدون [رِجَالٌ صَدَقُوا مَا عَاهَدُوا اللهَ عَلَيْهِ فَمِنْهُمْ مَنْ قَضَى نَحْبَهُ وَمِنْهُمْ مَنْ يَنْتَظِرُ وَمَا بَدَّلُوا تَبْدِيلًا] {الأحزاب:23} .وعلى هذا الحال ظل الوضع طيلة ثمانية أيام متصلة انتهت بنصر مؤزّر للمسلمين بعد أن علم الله صبرهم وصدق إيمانهم، وقتل لذريق وفي رواية أنه فر إلى الشمال، لكنه اختفى ذكره إلى الأبد، وقد تمخض عن هذه المعركة عدة نتائج كان أهمها:
طوت الأندلس صفحة من صفحات الظلم والجهل والاستبداد، وبدأت صفحة جديدة من صفحات الرقي والتحضر من تاريخ الفتح الإسلامي.
غنم المسلمون غنائم عظيمة كان أهمها الخيول، فأصبحوا خيّالة بعد أن كانوا رجّالة.

بدأ المسلمون المعركة وعددهم اثنا عشر ألفا، وانتهت المعركة وعددهم تسعة آلاف، فكانت الحصيلة ثلاثة آلاف شهيد رووا بدمائهم الغالية أرض الأندلس، فأوصلوا هذا الدين إلى الناس، فجزاهم الله عن الإسلام خيرا.

طارق بن زياد يتجه فاتحا نحو الشمال
توجه طارق بن زياد بعد فتح أَشبيليّة إلى مدينة أَسْتُجّة، و هي أيضا من مدن الجنوب، وفي أستجة قاتل المسلمون قتالا عنيفا، لكنه – بلا شك – أقل مما كان في وادي برباط؛ فقد فَقَدَ النصارى معظم قواتهم في موقعة وادي برباط، وقبل أن ينتصر المسلمون في آواخر المعركة فتح النصارى أبوابهم وقالوا قد صالحنا على الجزية.
وثمة فارق كبير جدا بين أن يصالح النصارى على الجزية، وبين أن يفتح المسلمون المدينة فتحا؛ لأنه لو فتح المسلمون هذه المدينة فتحا (أي بالقتال) لكان لهم أن يأخذوا كل ما فيها، أمّا إن صالح النصارى على الجزية، فإنهم يظلون يملكون ما يملكون ولا يدفعون إلا الجزية، والتي كانت تقدّر آنذاك بدينار واحد في العام كما وضحنا سابقا.
ومن أستجة وبجيش لا يتعدى التسعة آلاف رجل يبدأ طارق بن زياد بإرسال السرايا لفتح المدن الجنوبية الأخرى، وينطلق هو بقوة الجيش الرئيسة في اتجاه الشمال حتى يصل إلى طُلَيْطِلة عاصمة الأندلس في ذلك الزمن، فقد بعث بسرية إلى قرطبة، وسرية إلى غِرناطة، وسرية إلى مَالْقة، وسرية إلى مُرْسِيَه، وهذه كلها من مدن الجنوب المنتشرة على ساحل البحر الأبيض المتوسط، والمطلة على مضيق جبل طارق، وكان كل من هذه السرايا لا يزيد عدد الرجال فيها عن سبعمائة رجل، ومع ذلك فقد فُتحت قرطبة على قوتها وعظمتها بسرية من تلك التي لا تتعدى السبعمائة رجل [وَمَا رَمَيْتَ إِذْ رَمَيْتَ وَلَكِنَّ اللهَ رَمَى] {الأنفال:17}. ثم ظل طارق بن زياد رحمه الله متوجها ناحية الشمال حتى وصل إلى مدينة جَيّان وهي من مدن النصارى الحصينة جدا.
تعليمية
طارق بن زياد على أعتاب طُليطلة
كان موسى بن نصير رحمه الله الذي اتسم بالحكمة والأناة كان قد أوصى طارق بن زياد ألا يتجاوز مدينة جَيّان أو لا يتجاوز مدينة قرطبة، و أمره ألا يسرع في الفتح في طريقه إلى العاصمة طليطلة حتى لا يحوطه جيش النصارى.
لكن طارق بن زياد وجد أن الطريق أمامه مفتوحًا، ووجد أن الطريق إلى طليطلة ليس فيه من الصعوبة شيء؛ فاجتهد برأيه، وعلى خلاف رأي الأمير موسى بن نصير وجد أن هذا هو الوقت المناسب لفتح طليطلة العاصمة، وقد كانت تعد أحصن مدن النصارى على الإطلاق، فرأى أنه إن هاجمها في هذه الفترة التي يكتنف النصارى فيها ضعفا شديدا لا يستطيعون معه مقاومة جيش المسلمين فقد يتمكن من فتحها، الأمر الذي قد يتعذر بعد ذلك فلا يستطيع فتحها.
وكان الأفضل في هذا الأمر أن يستشير طارق بن زياد موسى بن نصير في المغرب، وأن يرسل إليه ولو رسالة يشرح له فيها طبيعة الموقف، وأن الطريق مهيأ أمامه لفتح طليطلة، ويستوضح رأيه ورده في ذلك.
تعليمية
أما طارق بن زياد فقد أسرع في اتجاه طليطلة دون استئذان من موسى بن نصير، وكان موسى بن نصير قد علم بتقدم طارق لفتح طليطلة، ولكن لطول المسافات لم يستطع أن يلحق به فيكون مددا له.
كانت مدينة طليطلة من أحصن مدن الأندلس، بل هي أحصن مدينة في الأندلس؛ فقد كانت محاطة بجبال من جهة الشمال والشرق والغرب، أما الجهة المفتوحة وهي الجنوب فعليها حصن كبير جدا.
ومع ذلك فقد فتحت أبوابها لطارق بن زياد وصالحت على الجزية.
موسى بن نصير يأمر طارقا بالكف عن الفتوحات ويجهز نفسه لمدده تقدم طارق بن زياد بهذه السرعة في بلاد الأندلس لم ينل قبولا لدى موسى بن نصير؛ إذ وجد فيه تهورا كبيرا لا يُؤْمن عواقبه، وكان قد عُرف عن موسى بن نصير الأناة والحكمة والصبر في كل فتوحاته في شمال أفريقيا حتى وصل إلى المغرب، ومن ثم فقد بعث برسالة شديدة اللهجة إلى طارق بن زياد يأمره فيها بالكف عن الفتح وبالانتظار حتى يصل إليه؛ وذلك خشية أن تلتف حوله الجيوش النصرانية.
وفي أثناء ذلك بدأ موسى بن نصير يُعد العدة لإمداد طارق بن زياد بعد أن انطلق إلى هذه الأماكن البعيدة الغائرة في وسط الأندلس، فجهز من المسلمين ثمانية عشر ألفا.
تعليمية
ولكن من أين جاءوا وقد كان جيش الفتح لا يتعدى الاثنا عشر ألفا؟!
وذلك أن الناس من مشارق الأرض و مغاربها قد انهمروا على أرض الأندلس حين علموا أن فيها جهادا، فقد كان جل الاثني عشر ألف مسلم الذين فتحوا الأندلس مع طارق بن زياد من البربر، أما هؤلاء الثمانية عشر ألفا فهم من العرب الذين جاءوا من اليمن والشام والعراق، اجتازوا كل هذه المفاوز البعيدة حتى وصلوا إلى بلاد المغرب، ثم عبروا مع موسى بن نصير إلى بلاد الأندلس نصرة ومددا لطارق بن زياد.
موسى بن نصير وأعمال عظام في طريقه إلى طارق بن زياد عبر موسى بن نصير بجيشه إلى بلاد الأندلس وكان ما توقعه؛ فقد وجد أن النصارى قد نقضوا عهدهم مع طارق في أَشبيليّه، وهي المدينة الحصينة الكبيرة التي كانت قد صالحت طارقا على الجزية، وكانوا قد جهّزوا العدة كي يأتوا طارقا من خلفه، ولكن يُقدّر الله أن يفاجَئوا بجيش موسى بن نصير رضي الله عنه وهو قادم فيحاصر أشبيليه.
كان موسى بن نصير قائدا محنّكا، له نظرة واعية وبُعد نظر ثاقب، ولم يكن يومًا كما يدعي أناس أنه عطّل طارق بن زياد عن الفتح حسدا أن ينسب إليه وحده فتح بلاد الأندلس، ومن ثم أراد أن يُشْرَك في الأمر معه.
تعليمية
فإن طارق بن زياد من عمال موسى بن نصير، وواليه على الأندلس، وحسنات طارق بن زياد تعد في ميزان موسى بن نصير رحمهما الله؛ فقد دخل الإسلام على يديه، وقد كان أقصى مراد موسى بن نصير هو النصر لجيش المسلمين وعدم الهلكة له بعيدا عن أرضه. ومن ثم فقد قدم موسى بن نصير وحاصر أشبيليه حصارا شديدا غاب مداه شهورا حتى فتحت أبوابها أخيرا، ثم جوّزها موسى بن نصير إلى الشمال، ولم يكن يفتح المناطق التي فتحها طارق بن زياد، وإنما اتجه ناحية الشمال الغربي وهو الاتجاه الذي لم يسلكه طارق بن زياد؛ فقد أراد استكمال الفتح ومساعدة طارق بن زياد وليس أخذ النصر أو الشرف منه.
واصل موسى بن نصير سيره نحو طارق بن زياد وفي طريقه فتح الكثير من المناطق العظيمة حتى وصل إلى منطقة تسمى مَرْدَه، كل هذا وطارق بن زياد في طليطلة ينتظر قدومه، وكانت مرده هذه من المناطق التي تجمّع فيها كثير من القوط النصارى، فحاصرها موسى بن نصير حصارا بلغ مداه أيضا شهورا، كان آخرها شهر رمضان، ففي أواخره وفي عيد الفطر المبارك وبعد صبر طويل فتحت المدينة أبوابها، وصالح أهلها موسى بن نصير على الجزية، فهكذا كانت تمر الأعياد على المسلمين.
تعليمية
لم يكتف موسى بن نصير بذلك، بل أرسل ابنه عبد العزيز بن موسى بن نصير رضي الله عنهم الذي تربى كأبيه وجده على الجهاد؛ ليفتح مناطق أوسع ناحية الغرب، وقد توغل عبد العزيز في الغرب كثيرا، حتى إنه في فترات معدودة فتح كل غرب الأندلس والتي تسمى حاليا دولة البرتغال، فقد وصل إلى لشبونة وفتحها ثم فتح البلاد التي في شمالها، وبهذا يُعد عبد العزيز بن موسى بن نصير فاتح البرتغال.
موسى بن نصير وطارق بن زياد.. لقاء الأبطال واستكمال الفتح ذكرت بعض المصادر أنه لما التقى موسى بن نصير وطارق بن زياد أمسك موسى بطارق وعنفه ووبّخه، بل تذكر أنه قيّده وضربه بالسوط. والحقيقة أن مثل هذا لم يأت إلا من خلال الروايات الأوروبية فقط، وهو لم يحدث على الإطلاق، والذي حدث أن موسى بن نصير قد عنّف طارق بن زياد بالفعل على معصيته له بعدم البقاء في قرطبة أو جيّان واستمراره حتى طليطلة كما ذكرنا، وقد كان تعنيفا سريعا إلا أنه كان لقاء حارا بين بطلين افترقا منذ سنتين كاملتين، منذ رمضان سنة اثنتين وتسعين من الهجرة وحتى ذي القعدة سنة أربع وتسعين.. فقد أخذت الحملة التي قادها طارق بن زياد حتى وصل إلى طليطلة عاما كاملا، وكذلك استغرقت الحملة التي قادها موسى بن نصير حتى قابل طارق في نفس المكان عاما كاملا.
تعليمية
وبعد اللقاء اتحدا سويا واتجها معا إلى فتح منطقة الشمال والشمال الشرقي والشمال الغربي، فبدآ بمنطقة الشمال ومرّا بمناطق عدة، كان منها على سبيل المثال منطقة برشلونة ففتحاها سويا وهكذا كانت همم الأجداد المسلمين التي ناطحت السحاب، فقد اتجها بعد ذلك سويا إلى مدينة سَرَقُسْطَة وهي أعظم مدن الشمال الشرقي ففتحوها، واتجها أيضا إلى منطقة شمال الوسط، ثم إلى الشمال الغربي.
وفي منطقة الشمال قام موسى بن نصير بعمل يُحسد عليه؛ فقد أرسل سرية خلف جبال البِرِينيه، وهي الجبال التي تفصل بين فرنسا وبلاد الأندلس، وتقع في الشمال الشرقي من بلاد الأندلس، عبرت هذه السرية جبال البرينيه ثم وصلت إلى مدينة تُسمّى أربونة، وتقع هذه المدينة على ساحل البحر الأبيض المتوسط، وبذلك يكون موسى بن نصير قد أسس نواة لمقاطعة إسلامية وبعد هذه السرية الوحيدة التي فتحت جنوب غرب فرنسا اتجه موسى بن نصير بجيشه إلى الشمال الغربي حتى وصل إلى آخره، وقد ظل المسلمون يفتحون مدن الأندلس المدينة تلو الأخرى حتى تم الانتهاء من فتح كل بلاد الأندلس، إلا منطقة واحدة في أقصى مناطق الشمال الغربي وتُسمى منطقة الصخرة أو صخرة بيليه، وهي تقع على خليج بسكاي عند التقائه مع المحيط الأطلنطي.
ففي زمن قُدّر بثلاث سنوات ونصف السنة، ابتدأ من سنة اثنتين وتسعين من الهجرة، وانتهى في آخر سنة خمس وتسعين من الهجرة كان قد تم للمسلمين فتح كل بلاد الأندلس خلا صخرة بيليه هذه.
تعليمية
رسالة الوليد بن عبد الملك ووقف الفتوحات

من أقصى بلاد المسلمين من دمشق من أمير المؤمنين الوليد بن عبد الملك تصل رسالة إلى موسى بن نصير وطارق بن زياد بأن يعودا أدراجهما إلى دمشق ولا يستكملا الفتح، أمر عجيب وغريب! حزن له موسى بن نصير وأسف أشد الأسف، لكن لم يكن بُدّا من الاستجابة والعودة كما أُمر.

ولنا أن نندهش مع موسى بن نصير لماذا هذا الأمر الغريب؟! ولماذا كان في هذا التوقيت بالذات؟! إلا أن هذه الدهشة سرعان ما تتبخر حين نعلم سبب ذلك عند الوليد بن عبد الملك، وكان ما يلي:
كان الوليد بن عبد الملك يشغله همّ توغل المسلمين بعيدا عن ديارهم، فهو المسئول عن المسلمين الذين انتشروا في كل هذه المناطق الواسعة، وقد رأى أن المسلمين توغلوا كثيرا في بلاد الأندلس في وقت قليل، وخشي رحمه الله أن يلتف النصارى من جديد حول المسلمين، فإن قوة المسلمين مهما تزايدت في هذه البلاد، فهي قليلة وبعيدة عن مصدر إمدادها، فأراد ألا يتوغل المسلمون أكثر من هذا.
كان من الممكن للوليد بن عبد الملك أن يوقف الفتوح دون عودة موسى بن نصير وطارق بن زياد، لكن كان هناك أمر آخر عجيب قد سمعه الوليد بن عبد الملك جعله يُصرّ على عودة موسى بن نصير وطارق بن زياد إلى دمشق، وهو أنه قد وصل إلى علمه أن موسى بن نصير يريد بعد أن ينتهي من فتح بلاد الأندلس أن يفتح كل بلاد أوروبا حتى يصل إلى القسطنطينية من الغرب.
كانت القسطنطينية قد استعصت على المسلمين من الشرق، وكثيرا ما ذهبت جيوش الدولة الأموية إليها ولم تُوفّق في فتحها. وهنا فكر موسى بن نصير أن يخوض كل بلاد أوروبا، فيفتح فرنسا ثم إيطاليا ثم يوغوسلافيا ثم رومانيا ثم بلغاريا ثم منطقة تركيا، حتى يصل إلى القسطنطينية من جهة الغرب،أي أنه سيتوغل بالجيش الإسلامي في عمق أوروبا منقطعا عن كل مدد. فأرعب هذا الأمر الوليد بن عبد الملك، وفكر فيما لو احتاج هذا الجيش إلى مدد؟ فالمدد على بعد شهور منه، ويفصل بينه وبين بلاد المسلمين بحار وجبال وأراض واسعة، فخشي الوليد بن عبد الملك على جيش المسلمين من الهلكة وعجل بأمر عودة موسى بن نصير وطارق بن زياد ، لم يجد موسى بن نصير إلا أن يسمع و يطيع لأمر الوليد بن عبد الملك، فأخذ طارق بن زياد وعاد أدراجه إلى دمشق، وعندما وصل وجد الوليد بن عبد الملك في مرض الموت، وما هي إلا ثلاثة أيام حتى مات وتولى الخلافة من بعده أخوه سليمان بن الملك، وكان على رأي أخيه في استبقاء موسى بن نصير في دمشق خوفا على هلكة جيش المسلمين في توغله داخل بلاد أوروبا نحو القسطنطينية.

عاد موسى بن نصير وطارق بن زياد من الأندلس بعد أن تخطى المسلمون بلاد الأندلس ووصلوا بفتوحاتهم إلى غرب فرنسا

برجوع موسى بن نصير وطارق بن زياد إلى دمشق تكون قد انتهت فترة هي من أهم الفترات في تاريخ الأندلس، وقد أُطلق عليها في التاريخ عهد الفتح؛ حيث إن تاريخ الأندلس يُقسّم إلى فترات أو عهود بحسب طريقة الحكم وبحسب نظام المُلك في هذه الفترات، وعهد الفتح هذا كان قد بدأ سنة اثنتين وتسعين من الهجرة، وانتهى سنة ست وتسعين من الهجرة أو أواخر خمس وتسعين، وبهذا يكون عهد الفتح قد ظل ثلاث سنوات ونصف السنة فقط


معركة بلاط الشهداء وتوقف المد الإسلامي بأوروبا
ولم يكد يمضي على فتح الأندلس سنوات قليلة حتى نجح المسلمون في فتح جنوبيفرنسا واجتياح ولاياتها، وكانت تعرف في ذلك الحين بالأرض الكبيرة أو بلادالغال، وكان بطل هذه الفتوحات هو "السمح بن مالك" والي الأندلس، وكانحاكما وافر الخبرة، راجح العقل، نجح في ولايته للأندلس؛ فقبض على زمامالأمور، وقمع الفتن والثورات، وأصلح الإدارة والجيش.
وفي إحدى غزواته التقى السمح بن مالك بقوات الفرنجة في تولوشة (تولوز)،ونشبت معركة هائلة ثبت فيها المسلمون ثباتا عظيما على قلة عددهم وأبدواشجاعة نادرة، وفي الوقت الذي تأرجح فيه النصر بين الفريقين سقط السمح بنمالك شهيدًا من فوق جواده في (9 من ذي الحجة 102 هـ = 9 من يونيو 721م)،فاضطربت صفوف الجيش واختل نظامه وارتد المسلمون إلى "سبتمانيا" بعد أنفقدوا زهرة جندهم.
تعليمية
مواصلة الفتح

وعلى إثر استشهاد السمح بن مالك تولّى عبد الرحمن الغافقي القيادة العامةللجيش وولاية الأندلس، حتى تنظر الخلافة الأموية وترى رأيها، فقضى الغافقيبضعة أشهر في تنظيم أحوال البلاد وإصلاح الأمور حتى تولّى "عنبسة بن سحيمالكلبي" ولاية الأندلس في (صفر سنة 103 هـ = أغسطس من 721م)، فاستكمل مابدأه الغافقي من خطط الإصلاح وتنظيم شئون ولايته والاستعداد لمواصلةالفتح، حتى إذا تهيأ له ذلك سار بجيشه في أواخر سنة (105 هـ = 724م) فأتمفتح إقليم سبتمانيا، وواصل سيره حتى بلغ مدينة "أوتون" في أعالي نهرالرون، وبسط سلطانه في شرق جنوبي فرنسا، وفي أثناء عودته إلى الجنوبداهمته جموع كبيرة من الفرنج، وكان في جمع من جيشه؛ فأصيب في هذه المعركةقبل أن ينجده باقي جيشه، ثم لم يلبث أن تُوفِّي على إثرها في (شعبان 107هـ = ديسمبر 725م).

وبعد وفاته توقف الفتح وانشغلت الأندلس بالفتن والثورات، ولم ينجح الولاةالستة الذين تعاقبوا على الأندلس في إعادة الهدوء والنظام إليها والسيطرةعلى مقاليد الأمور، حتى تولى عبد الرحمن الغافقي أمور الأندلس في سنة (112هـ = 730م).

تعليمية
عبد الرحمن الغافقي

لم تكن أحوال البلاد جديدة عليه فقد سبق أن تولى أمورها عقب استشهاد السمحبن مالك، وعرف أحوالها وخبر شئونها، ولا تمدنا المصادر التاريخية بشيءكثير عن سيرته الأولى، وجل ما يعرف عنه أنه من التابعين الذين دخلواالأندلس ومكنته شجاعته وقدراته العسكرية من أن يكون من كبار قادة الأندلس،وجمع إلى قيادته حسن السياسة وتصريف الأمور؛ ولذا اختاره المسلمون لقيادةالجيش وإمارة الأندلس عقب موقعه "تولوشة".

كان الغافقي حاكما عادلا قديرا على إدارة شئون دولته، وتجمع الرواياتالتاريخية على كريم صفاته، وتشيد بعدله، فرحبت الأندلس بتعيينه لسابقمعرفتها به وبسياسته، ولم يكن غريبا أن يحبه الجند لرفقه ولينه، وتتراضىالقبائل العربية فتكف عن ثوراتها، ويسود الوئام إدارة الدولة والجيش.

غير أن هذا الاستقرار والنظام الذي حل بالأندلس نغصه تحركات من الفرنجوالقوط واستعداد لمهاجمة المواقع الإسلامية في الشمال، ولم يكن لمثلالغافقي أن يسكت وهو رجل مجاهد عظيم الإيمان، لا تزال ذكريات هزيمة تولوشةتؤرق نفسه، وينتظر الفرصة السانحة لمحو آثارها، أما وقد جاءت فلا بد أنينتهزها ويستعد لها أحسن استعداد، فأعلن عزمه على الفتح، وتدفق إليهالمجاهدون من كل جهة حتى بلغوا ما بين سبعين ومائة ألف رجل.

تعليمية
خط سير الحملة

جمع عبد الرحمن جنده في "بنبلونة" شمال الأندلس، وعبر بهم في أوائل سنة (114 هـ = 732م) جبال ألبرت ودخل فرنسا (بلاد الغال)، واتجه إلى الجنوبإلى مدينة "آرال" الواقعة على نهر الرون؛ لامتناعها عن دفع الجزية وخروجهاعن طاعته، ففتحها بعد معركة هائلة، ثم توجه غربا إلى دوقية أقطاينا "أكويتين"، وحقق عليها نصرا حاسما على ضفاف نمهر الدوردوني ومزّق جيشها شرممزق، واضطر الدوق "أودو" أن يتقهقر بقواته نحو الشمال تاركا عاصمته "بردال" (بوردو) ليدخلها المسلمون فاتحين، وأصبحت ولاية أكويتين في قبضةالمسلمين تماما، ومضى الغافقي نحو نهر اللوار وتوجه إلى مدينة "تور" ثانيةمدائن الدوقية، وفيها كنيسة "سان مارتان"، وكانت ذات شهرة فائقة آنذاك؛فاقتحم المسلمون المدينة واستولوا عليها.

ولم يجد الدوق "أودو" بدا من الاستنجاد بالدولة الميروفنجية، وكانت أمورهافي يد شارتل مارتل، فلبى النداء وأسرع بنجدته .

تعليمية
استعداد الفرنجة
وجد شارل مارتل في طلب نجدته فرصة لبسط نفوذه على أقطانيا التي كانت بيدغريمه، ووقف الفتح الإسلامي بعد أن بات يهدده، فتحرك على الفور ولم يدخرجهدا في الاستعداد، فبعث يستقدم الجند من كل مكان فوافته جنود أجلافأقوياء يحاربون شبه عراة، بالإضافة إلى جنده وكانوا أقوياء لهم خبرةبالحروب والنوازل، وبعد أن أتم شارل مارتل استعداده تحرك بجيشه الجرارالذي يزيد في عدده على جيش المسلمين يهز الأرض هزا، وتردد سهول فرنسا صدىأصوات الجنود وجلباتهم حتى وصل إلى مروج نهر اللوار الجنوبية.

تعليمية
اللقاء المرتقب

كان الجيش الإسلامي قد انتهى بعد زحفه إلى السهل الممتد بين مدينتيبواتييه وتور بعد أن استولى على المدينتين، وفي ذلك الوقت كان جيش شارلمارتل قد انتهى إلى اللوار دون أن ينتبه المسلمون بقدوم طلائعه، وحين أرادالغافقي أن يقتحم نهر اللوار لملاقاة خصمه على ضفته اليمنى قبل أن يكملاستعداده فاجأه مارتل بقواته الجرارة التي تفوق جيش المسلمين في الكثرة،فاضطر عبد الرحمن إلى الرجوع والارتداد إلى السهل الواقع بين بواتييهوتور، وعبر شارل بقواته نهر اللوار وعسكر بجيشه على أميال قليلة من جيشالغافقي.

وفي ذلك السهل دارت المعركة بين الفريقين، ولا يُعرف على وجه الدقة موقعالميدان الذي دارت فيه أحداث المعركة، وإن رجحت بعض الروايات أنها وقعتعلى مقربة من طريق روماني يصل بين بواتييه وشاتلرو في مكان يبعد نحو عشرينكيلومترا من شمالي شرق بواتييه يسمّى بالبلاط، وهي كلمة تعني في الأندلسالقصر أو الحصن الذي حوله حدائق؛ ولذا سميت المعركة في المصادر العربيةببلاط الشهداء لكثرة ما استشهد فيها من المسلمين، وتسمّى في المصادرالأوربية معركة "تور- بواتييه".

ونشب القتال بين الفريقين في (أواخر شعبان 114 هـ = أكتوبر 732م)، واستمرتسعة أيام حتى أوائل شهر رمضان، دون أن يحقق أحدهما نصرا حاسما لصالحه.
وفي اليوم العاشر نشبت معركة هائلة، وأبدى كلا الفريقين منتهى الشجاعةوالجلد والثبات، حتى بدأ الإعياء على الفرنجة ولاحت تباشير النصرللمسلمين، ولكن حدث أن اخترقت فرقة من فرسان العدو إلى خلف صفوف المسلمين،حيث معسكر الغنائم، فارتدت فرقة كبيرة من الفرسان من قلب المعركة لردالهجوم المباغت وحماية الغنائم، غير أن هذا أدى إلى خلل في النظام،واضطراب صفوف المسلمين، واتساع في الثغرة التي نفذ منها الفرنجة.
وحاول الغافقي أن يعيد النظام ويمسك بزمام الأمور ويرد الحماس إلى نفوسجنده، لكن الموت لم يسعفه بعد أن أصابه سهم غادر أودى بحياته فسقط شهيدافي الميدان، فازدادت صفوف المسلمين اضطرابا وعم الذعر في الجيش، ولولابقية من ثبات راسخ وإيمان جياش، ورغبة في النصر لحدثت كارثة كبرى للمسلمينأمام جيش يفوقهم عددا. وصبر المسلمون حتى أقبل الليل فانتهزوا فرصة ظلامالليل وانسحبوا إلى سبتمانيا، تاركين أثقالهم ومعظم أسلابهم غنيمة للعدو.
ولما لاح الصباح نهض الفرنجة لمواصلة القتال فلم يجدوا أحدا من المسلمين،ولم يجدوا سوى السكون الذي يطبق على المكان، فتقدموا على حذر نحو الخياملعل في الأمر خديعة فوجدوها خاوية إلا من الجرحى العاجزين عن الحركة؛فذبحوهم على الفور، واكتفى شارل مارتل بانسحاب المسلمين، ولم يجرؤ علىمطاردتهم، وعاد بجيشه إلى الشمال من حيث أتى.

تعليمية
تحليل المعركة

تضافرت عوامل كثيرة في هذه النتيجة المخزية، منها أن المسلمين قطعوا آلافالأميال منذ خروجهم من الأندلس، وأنهكتهم الحروب المتصلة في فرنسا،وأرهقهم السير والحركة، وطوال هذا المسير لم يصلهم مدد يجدد حيوية الجيشويعينه على مهمته، فالشقة بعيدة بينهم وبين مركز الخلافة في دمشق، فكانوافي سيرهم في نواحي فرنسا أقرب إلى قصص الأساطير منها إلى حوادث التاريخ،ولم تكن قرطبة عاصمة الأندلس يمكنها معاونة الجيش؛ لأن كثيرًا من العربالفاتحين تفرقوا في نواحيها.

وتبالغ الروايات في قصة الغنائم وحرص المسلمين على حمايتها، فلم تكنالغنائم تشغلهم وهم الذين قطعوا هذه الفيافي لنشر الإسلام وإعلاء كلمته،ولم نألف في حروب المسلمين الحرص عليها وحملها معهم أينما ذهبوا، ولوكانوا حريصين عليها لحملوها معهم في أثناء انسحابهم في ظلمة الليل، فيالوقت التي تذكر فيه الروايات أن الجيش الإسلامي ترك خيامه منصوبةوالغنائم مطروحة في أماكنها.

تعليمية
نتائج المعركة

كثر الكلام حول هذه المعركة، وأحاطها المؤرخون الأوربيون باهتمام مبالغ،وجعلوها معركة فاصلة، ولا يخفى سر اهتمامهم بها؛ فمعظمهم يعدها إنقاذًالأوروبا، فيقول "إدوارد جيبون" في كتاب "اضمحلال الإمبراطورية الرومانية" عن هذه المعركة: "إنها أنقذت آباءنا البريطانيين وجيراننا الفرنسيين مننير القرآن المدني والديني، وحفظت جلال روما، وشدت بأزر النصرانية".ويقول السير "إدوارد كريزي": "إن النصر العظيم الذي ناله شارل مارتل على العرب سنة 732م وضع حدا حاسما لفتوح العرب في غرب أوروبا، وأنقذ النصرانيةمن الإسلام".ويرى فريق آخر من المؤرخين المعتدلين في هذا الانتصار نكبة كبيرة حلتبأوروبا، وحرمتها من المدنية والحضارة، فيقول "جوستاف لوبون" في كتابهالمعروف "حضارة العرب"، الذي ترجمه "عادل زعيتر" إلى العربية في دقةوبلاغة:

"لو أن العرب استولوا على فرنسا، إذن لصارت باريس مثل قرطبة في إسبانيا،مركزا للحضارة والعلم؛ حيث كان رجل الشارع فيها يكتب ويقرأ بل ويقرض الشعرأحيانا، في الوقت الذي كان فيه ملوك أوروبا لا يعرفون كتابة أسمائهم".


عبد الرحمن الداخل صقر قريش
بعد استشهاد عبد الرحمن الغافقي رحمه الله في موقعة بلاط الشهداء في منطقة بواتيه وبعد هزيمة المسلمين فيها انسحب المسلمون وتوقفت الفتوحات الإسلامية في هذه المنطقة.
قصة عبد الرحمن الداخل
لكي نفهم قصة دخول عبد الرحمن بن معاوية بن هشام بن عبد الملك إلى أرض الأندلس، نعود إلى الوراء قليلًا حتى سنة اثنين وثلاثين ومائة من الهجرة، وهو زمن سقوط بني أمية، فقد أعمل العباسيون السيوف قتلا وتنكيلا لكل من كان مؤهلا من الأمويين لتولي الخلافة، فقتلوا الأمراء وأبناء الأمراء وأبناء أبناء الأمراء (الأحفاد) إلا قلة ممن لم تصل إليه سيوفهم.

كان عبد الرحمن بن معاوية حفيد هشام بن عبد الملك (حكم من خمس ومائة إلى خمس وعشرين ومائة من الهجرة) من هذه القلة التي لم تصلهم سيوف العباسيين، وكان عمره آنذاك تسع عشرة سنة فقط، وكان له أخ صغير لم يتجاوز عمره الثالثة عشرة، وكلاهما مطلوبي الرأس من قِبَل العباسيين.
في العراق كان عبد الرحمن بن معاوية يجلس في بيته إذ دخل عليه ابنه ابن الأربع سنين يبكي فزعًا، وكان عبد الرحمن بن معاوية مريضا معتزلا في الظلام في ركن من البيت من أثر رمد في عينه، فأخذ يسكن الطفل بما يسكن به الأطفال إلا أن الطفل ظل فزعًا مرعوبًا لم يسكن، فقام معه عبد الرحمن بن معاوية فوجد الرايات السود خارج البيت (رايات الدولة العباسية)، وكانت تعم القرية جميعها، فعلم أنّه مطلوب، رجع عبد الرحمن بن معاوية وأخذ أخاه الوليد بن معاوية وما معه من نقود، وترك النساء والأطفال وكل شيء؛ لأن العباسيين لم يكونوا ليقتلوا النساء ولا الأطفال، ولكن كانوا يقتلون كل من بلغ وكان مؤهلًا للخلافة، ثم خرج هاربا نحو الفرات، وعند الفرات وجد عبد الرحمن بن معاوية وأخوه القوات العباسية تحاصر النهر، فألقيا بأنفسهما فيه وأخذا يسبحان، ومن بعيد ناداهما العباسيون أن ارجعا ولكما الأمان، حينها كان الوليد بن معاوية أخو عبد الرحمن بن معاوية قد أجهد من السباحة، فأراد أن يعود، فناداه أخوه الأكبر أن لا تعد يا أخي وإلا فسيقتلوك، فرد عليه إنهم قد أعطونا الأمان، ثم عاد راجعا إليهم، فما أن أمسك به العباسيون إلا أن قتلوه أمام أعين أخيه، عَبَر عبد الرحمن بن معاوية النهر وهو لا يستطيع أن يتكلم أو يفكر من شدة الحزن على أخيه ابن الثالثة عشرة، ثم يمم جهة بلاد المغرب لأن أمه كانت من قبيلة من قبائل البربر، فهرب إلى أخواله هناك، في قصة هروب طويلة جدًا عبر فيها الحجاز ومصر وليبيا والقيروان، وصل عبد الرحمن بن معاوية إلى القيروان وعمره تسع عشرة سنة فقط، وهناك وجد ثورة كبيرة للخوارج في الشمال الأفريقي كله وعلى رأسها عبد الرحمن بن حبيب، وكان قد استقل بالشمال الإفريقي عن الدولة العباسية، ولأنه كانت هناك كراهية شديدة جدا بين الخوارج والأمويين (حيث إن الخوارج لم يرضوا ارتضاء سيدنا علي بتحكيم كتاب الله بينه وبين معاوية بن أبي سفيان الأموي في موقعة صفين، ومن ثم فقد خرجوا عليه وسموا من بعدها بالخوارج، ومن حينها وهم يبغضون الأمويين) فقد كان عبد الرحمن بن حبيب يسعى هو الآخر للقضاء على عبد الرحمن بن معاوية حين علم بأمره، فحين قدم عبد الرحمن بن معاوية إلى القيروان اجتمع عليه الخوارج وكادوا أن يقتلوه، فهرب من جديد إلى برقه (في ليبيا)، وفيها ظل مختبئا عند بعض أخواله هناك طيلة أربع سنوات كاملة، حتى سنة ست وثلاثين ومائة، وكان قد بلغ من العمر ثلاث وعشرين سنة، وفي أمره ظل عبد الرحمن بن معاوية يفكر، أيظهر فيُقتل أم يظل مختبئا طوال العمر؟! ففي أي قطر من بلاد المسلمين هو مطلوب الرأس، ففي الشام في بلاد المشرق الإسلامي مطلوب من العباسيين، وفي الشمال الإفريقي في بلاد المغرب الإسلامي مطلوب من الخوارج، فهل يظل مختبئا طوال حياته وهو سليل الأمراء والخلفاء؟! أو هل يظل مختبئا في مكانه والأمويون في كل مكان يُقتلون ويذبحون؟! وهنا جال بخاطره أن يذهب إلى الأندلس، وقد كانت الأندلس أصلح البلدان لاستقبال عبد الرحمن بن معاوية، وذلك لأنها أولاأبعد الأماكن عن العباسيين والخوارج، ثانيا لأن الوضع في الأندلس ملتهب جدا، وذلك على نحو ما ذكرنا في عهد يوسف بن عبد الرحمن الفهري وفي نهاية الفترة الثانية من عهد الولاة؛ ففي هذا الجو يستطيع عبد الرحمن بن معاوية أن يدخل هذه البلاد؛ ولو كانت تابعة للخلافة العباسية ما استطاع أن يدخلها، كما أنها لو كانت على فكر الخوارج ما استطاع أيضا أن يدخلها؛ فكانت الأندلس أنسب البلاد له على وعورتها واحتدام الثورات فيها.

عبد الرحمن بن معاوية ودخول الأندلس
في سنة ست وثلاثين ومائة بدأ عبد الرحمن بن معاوية يعد العدة لدخول الأندلس، فعمل على الآتي
أولا أرسل مولاه بدر إلى الأندلس لدراسة الموقف، ومعرفة القوى المؤثرة في الحكم فيها.
ثانياراسل كل محبي الدولة الأموية في أرض الأندلسبعد أن علِمَهم من مولاه بدر، والحق أن كثيرا من الناس في عهد الدولة الأموية وفي غيرها كانوا يحبون الأمويين كثيرا، فمنذ ولاية معاوية بن أبي سفيان على الشام في خلافة عمر بن الخطاب، وفي خلافة عثمان بن عفان وعلي بن أبي طالب رضي الله عنهم أجمعين، والمسلمون في أقطار الدولة الإسلامية يحبون بني أمية حبا شديدا، فقد اشتهر بنو أمية على مر العصور بالسخاء الشديد والسياسة والحكمة، واكتساب الناس وحسن معاملتهم، والجهاد في سبيل الله ونشر الدين وفتح البلاد، فكان لبني أمية داخل بلاد الأندلس كثير من المريدين حتى من غير بني أمية من القبائل الأخرى المختلفة.
ثالثا في ذكاء شديد وحرص أشد راسل عبد الرحمن بن معاوية البربر، يطلب معونتهم ومساعدتهم، وكانوا في ذلك الوقت على خلاف شديد جدا مع يوسف بن عبد الرحمن الفهري؛ لأنه فرق بينهم وبين العرب، فهم يريدون أن يتخلصوا من حكم يوسف بن عبد الرحمن الفهري الذي عاملهم بهذه العنصرية.
رابعا راسل كل الأمويين في كل الأماكن التي هربوا إليها يعرض عليهم فكرته، وأنه يعزم على دخول الأندلس ويطلب معونتهم ومددهم.
وبالفعل بدأ في تجميع الأعوان، واستغرق ذلك عامين حتى قدم عليه رسول من عند مولاه بدر سنة ثمان وثلاثين ومائة يقول له إن الوضع قد تجهز لاستقبالك هناك، وحينما سأله عن اسمه فقال غالب التميمي، وبدأ يعد العدة ويجهز السفينة التي أخذته منفردا إلى بلاد الأندلس.

عبد الرحمن الداخل في الأندلس
نزل عبد الرحمن بن معاوية رحمه الله على ساحل الأندلس بمفرده، واستقبله هناك مولاه بدر، ثم انطلق معه إلى قرطبة، كان يحكم الأندلس في ذلك الوقت يوسف بن عبد الرحمن الفهري، وكالعادة كان في الشمال يقمع ثورة من الثورات، ذلك الوقت الذي قال عنه المؤرخون – كما ذكرناكاد الإسلام أن ينتهي من بلاد الأندلس في عام ثمانية وثلاثين ومائة.
ويدخل عبد الرحمن بن معاوية الأندلس ويبدأ في تجميع الناس من حوله، محبي الدولة الأموية، والبربر، وبعض القبائل المعارضة ليوسف بن عبد الرحمن الفهري، وقد جاء بعض الأمويين من بقاع الأرض المختلفة، ومع ذلك لم يجد العدد كافيا والذي يستطيع به أن يغير من الأوضاع.
فكر عبد الرحمن بن معاوية في اليمنيين الذين كانوا على خلاف مع يوسف بن عبد الرحمن الفهري الحجازي رغم كونه أيضا من الحجاز، لكنهم رأوا أنهم ليس لهم طاقة بيوسف بن عبد الرحمن الفهري، فقبلوا أن يتحدوا مع عبد الرحمن بن معاوية.
كان على رأس اليمنيين في ذلك الوقت أبو الصباح اليحصبي، وكان المقر الرئيسي لهم أشبيلية، وهي المدينة الكبيرة التي تعد حاضرة من حواضر الإسلام في ذلك الوقت، فذهب عبد الرحمن بن معاوية بنفسه إلى أشبيلية واجتمع طويلا مع أبي الصباح اليحصبي، واتفقا على أن يقاتلا سويا ضد يوسف بن عبد الرحمن الفهري.
قبل القتال كان عبد الرحمن بن معاوية قد أرسل عدة رسائل إلى يوسف بن عبد الرحمن الفهري يطلب وده وأن يسلم له الإمارة ويكون الفهري رجلا من رجاله في بلاد الأندلس، بحكم أنه (عبد الرحمن) حفيد هشام بن عبد الملك من رموز الخلافة الأموية، لكن يوسف الفهري رفض كل ذلك، وجهز جيشا وجاء ليحارب عبد الرحمن بن معاوية ومن معه.

موقعة المسارة
من المؤسف حقا أن يلتقي المسلمون بسيوفهم، لكن كثرة الثورات وكثرة الفتن والانقلابات جعلت الحل العسكري هو الحل الحتمي في ذلك الوقت.
ففي ذي الحجّة سنة ثمان وثلاثين ومائة، وفي موقعة كبيرة عرفت في التاريخ باسم موقعة المسارة ، دار قتال شرس بين يوسف بن عبد الرحمن الفهري من جهة وعبد الرحمن بن معاوية الذي يعتمد بالأساس على اليمنيين من جهة أخرى.
وقبل القتال كان أبو الصباح اليحصبي (رئيس اليمنيين) قد سمع بعض المقولات من اليمنيين تقول إن عبد الرحمن بن معاوية غريب عن البلاد، ثم إن معه فرس عظيم أشهب، فإن حدثت هزيمة فسيهرب من ساحة القتال ويتركنا وحدنا للفهريين.
وصلت عبد الرحمن بن معاوية تلك المقولة، فقام وفي ذكاء شديد يفوق سن الخامسة والعشرين وذهب بنفسه إلى أبي الصباح اليحصبي وقال له إن جوادي هذا سريع الحركة ولا يمكّنني من الرمي، فإن أردت أن تأخذه وتعطيَني بغلتك فعلت، فأعطاه الجواد السريع وأخذ منه البغلة يقاتل عليها، حينئذ قال اليمنيون إن هذا ليس بمسلك رجل يريد الهرب، إنما هو مسلك من يريد الموت في ساحة المعركة، فبقوا معه وقاتلوا قتالا شديدا، ودارت معركة قوية جدا، انتصر فيها عبد الرحمن بن معاوية، وفَرّ يوسف الفهري.

عبد الرحمن الداخل وأمارات نجابة وعلم وذكاء
كان عادة المحاربين في ذلك الزمن أن يتبع الجيش المنتصر فلول المنهزمين والفارين، ليقتلوهم ويقضوا عليهم، ومن ثَمّ على ثورتهم، وحين بدأ اليمنيون يجهزون أنفسهم ليتتبعوا جيش يوسف الفهري منعهم عبد الرحمن بن معاوية وقال لهم قولة ظلت ترن في أصداء التاريخ، أمارة على علم ونبوغ، وفهم صحيح وفكر صائب في تقدير الأمور، قال لهملا تتّبعوهم، اتركوهم، لا تستأصلوا شأفة أعداء ترجون صداقتهم، واستبقوهم لأشد عداوة منهم.
يريد رحمه الله أن هؤلاء الذين يقاتلوننا اليوم سيصبحون غدا من جنودنا، ومن ثم عونا على أعدائنا من النصارى وغيرهم في ليون وفرنسا وغيرها. فهكذا رحمه الله كان ذو نظرة واسعة جدا تشمل كل بلاد الأندلس، بل تشمل كل أوروبا، بل إني أراه بذلك التفكير يملك أن يعيد ملك الشام بعد ذلك أيضا إلى أملاك الأمويين، وذلك لما يلي
أولا ليس في قلبه غل ولا حقد على من كان حريصا على قتله منذ ساعات قليلة.
ثانيا الفهم العميق للعدو الحقيقي وهو النصارى في الشمال.
ثالثا رغم كونه لم يتجاوز الخامسة والعشرين إلا إنه كان يمتلك فهما واعيا وإدراكا صحيحا، وفقها وعلما وسعة اطلاع، علم به أنه إن جاز له شرعا أن يقاتلهم لتجميع المسلمين حول راية واحدة، فهو في ذات الوقت لا يجوز له شرعا أن يتتبعهم، وأن يقتل الفارين منهم، ولا أن يجهز على جريحهم، ولا أن يقتل أسيرهم، لأن حكمهم حكم الباغين في الإسلام وليس حكم المشركين، وحكم الباغي في الإسلام أنه لا يتتبع الفار منهم، ولا يقتل أسيره، ولا يجهز على جريحه، بل ولا تؤخذ منه الغنائم.

بين عبد الرحمن الداخل وأبي الصباح اليحصبي
بعد انتهاء موقعة المسارة قام أبو الصباح اليحصبي في اليمنيين وقال لهم لقد انتصرنا على عبد الرحمن الفهري وجاء وقت النصر على غيره، يُعرّض بعبد الرحمن بن معاوية، هذا الذي كان يقاتل معه منذ ساعات، ويرى أنه إن انتصر عليه وقتله (عبد الرحمن الداخل)دانت لهم بلاد الأندلس كلها.
لكن اليمنيين لم يوافقوه على ذلك؛ ليس حبا في عبد الرحمن الداخل وإنما خوفا منه، فقالوا له إن هذا الرجل ليس بالسهل. وتصل هذه الأنباء إلى عبد الرحمن بن معاوية، فما كان منه إلا أن أسرّها في نفسه، ولم يُبْدها لهم، ولم يُعلمهم أنه يعلم بما يضمرونه له، لكنه أصبح على حذر شديد جدا من أبي الصباح اليحصبي.
لم يرد عبد الرحمن بن معاوية أن يحدث خللا في الصف المسلم في هذه الأوقات، لم يرد أن يحدث خللا بين الأمويين ومحبي الدولة الأموية وبين اليمنيين في ذلك الوقت المليء بالثورات والمعارك الداخلية، إنما كان كل همه هو تجميع الناس ثم حرب النصارى بعد ذلك، وبالفعل وهناك وبعد إحدى عشرة سنة من هذه الأحداث عزل أبا الصباح اليحصبي عن مكانه، واستطاع أن يتملك زمام الأمور كلها في الأندلس.

عبد الرحمن الداخل، وبداية فترة الإمارة الأموية
بعد موقعة المسارة والسيطرة على منطقة قرطبة والجنوب الأندلسي لُقب عبد الرحمن بن معاوية بعبد الرحمن الداخل؛ لأنه أول من دخل من بني أمية قرطبة حاكما، كما كان له كثير من الأيادي البيضاء على الإسلام في بلاد الأندلس كما سنرى.
ومنذ أن تولى عبد الرحمن الداخل الأمور في بلاد الأندلس عُرفت هذه الفترة بفترة الإمارة الأموية، وتبدأ من سنة ثمان وثلاثين ومائة من الهجرة، وتنتهي سنة ست عشرة وثلاثمائة من الهجرة، وسميت "إمارة" لأنها أصبحت منفصلة عن الخلافة الإسلامية، سواء كانت في عصر الخلافة العباسية أو ما تلاها بعد ذلك من العصور إلى آخر عهود الأندلس.
بدأ عبد الرحمن الداخل ينظم الأمور في بلاد الأندلس، كانت هناك ثورات كثيرة جدا في كل مكان من أرض الأندلس، وبصبر شديد وأناة عجيبة أخذ عبد الرحمن الداخل يراوض هذه الثورات الواحدة تلو الأخرى، وبحسب ما يتوافق معها أخذ يستميل بعضها ويحارب الأخرى.

وفي فترة حكمه التي امتدت أربعة وثلاثين عاما متصلة، من سنة ثمان وثلاثين ومائة وحتى سنة اثنتين وسبعين ومائة كانت قد قامت عليه أكثر من خمس وعشرين ثورة، وهو يقمعها بنجاح عجيب الواحدة تلو الأخرى، ثم تركها وهي في فترة من أقوى فترات الأندلس في التاريخ بصفة عامة.

الإمارة الأموية وفتراتها
ظل عبد الرحمن الداخل يحكم الأندلس منذ سنة ثمان وثلاثين ومائة من الهجرة، وحتى سنة اثنتين وسبعين ومائة من الهجرة، أي قرابة أربعة وثلاثين عاما، وكانت هذه هي بداية تأسيس عهد الإمارة الأموية، والتي استمرت من سنة ثمان وثلاثين ومائة من الهجرة وحتى سنة ست عشرة وثلاثمائة من الهجرة.
ولفهم عهد الإمارة الأموية يمكننا تقسيمه إلى فترات كما يلي

الفترة الأولى واستمرت مائة عام كاملة، من سنة ثمان وثلاثين ومائة وحتى سنة ثمان وثلاثين ومائتين من الهجرة، وتعتبر هذه الفترة هي فترة القوة والمجد والحضارة، وكان فيها هيمنة للدولة الإسلامية على ما حولها من مناطق.

الفترة الثانية وتعد فترة ضعف، وقد استمرت اثنين وستين عاما، من سنة ثمان وثلاثين ومائتين وحتى سنة ثلاثمائة من الهجرة.
الفترة الأولى من الإمارة الأموية فترة القوة

تمثل هذه الفترة عهد القوة في فترة الإمارة الأموية، كانت البداية فيها –كما ذكرنا – لعبد الرحمن الداخل رحمه الله ثم خلفه من بعده ثلاثة من الأمراء، كان أولهم هشام بن عبد الرحمن الداخل، وقد حكم من سنة اثنين وسبعين ومائة وحتى سنة ثمانين مائه
من الهجرة.
عهد هشام بن عبد الرحمن الداخل

بعد فترة طويلة من الاختبارات والمشاورات كان عبد الرحمن الداخل قد استقر من بين ابنيه الأكبر سليمان والأصغر هشام على ابنه هشام، فولاّه العهد مع كونه أصغر من أخيه سليمان، وقد صدق حدسه فيه؛ حيث كان الناس يشبهونه بعد ذلك بعمر بن عبد العزيز رضي الله عنه في علمه وعمله وورعه وتقواه.

كان هشام بن عبد الرحمن الداخل عالما محبا للعلم، قد أحاط نفسه رحمه الله بالفقهاء، وكان له أثر عظيم في بلاد الأندلس بنشره اللغة العربية فيها، وقد أخذ ذلك منه مجهودا وافرا وعظيما، حتى لقد أصبحت اللغة العربية تُدرّس في معاهد اليهود والنصارى في داخل أرض الأندلس، ثم قام أيضا بنشر المذهب المالكي بدلا من المذهب الأوزاعي، هذا فضلا عن صولاته وجولاته الكثيرة في الشمال مع الممالك النصرانية.

عهد الحكم بن هشام بن عبد الرحمن الداخل

تولى بعد هشام بن عبد الرحمن الداخل ابنه الحكم بن هشام بن عبد الرحمن الداخل، وذلك من سنة ثمانين ومائة وحتى سنة ست ومائتين من الهجرة، لكن الحكم هذا لم يكن على شاكلة أبيه ولا على شاكلة جده، فكان قاسيا جدا، فرض الكثير من الضرائب، واهتم بالشعر والصيد، وقاوم الثورات بأسلوب غير مسبوق في بلاد الأندلس في عهد الإمارة الأموية، حيث كان يحرق بيوت الثائرين، وكان يطردهم خارج البلاد.

ومن أشهر الثورات التي قمعها الحكم بن هشام ثورة الربض، وهم قوم كانوا يعيشون في منطقة جوار قرطبة، وقد ثار أهلها ثورة كبيرة جدا عليه، فأحرق ديارهم وطردهم خارج البلاد، ورغم ما في هذا الأمر من القسوة وغيرها فإنه حين طرد الربضيين خارج البلاد فقد انتقلوا إلى جزيرة كريت في عرض البحر الأبيض المتوسط، وأسسوا بها مملكة إسلامية ظلت قائمة مائة عام متصلة.
ورغم أفعاله تلك إلا أن الحكم بن هشام لم يوقف حركة الجهاد؛ وذلك لأن الجهاد كان عادة في الإمارة الأموية سواء في بلاد الشام أو في بلاد الأندلس، لكن كانت له انتصارات وهزائم في نفس الوقت، وكنتيجه طبيعية لهذا الظلم الذي كان عنده، وهذه العلاقة التي ساءت بين الحاكم والمحكوم سقطت بعض البلاد الإسلامية في يد النصارى، فسقطت برشلونة وأصبحت تُكّون إمارة نصرانية صغيرة في الشمال الشرقي عرفت في التارخ باسم إمارة أراجون، وكانت متاخمة لحدود فرنسا بجوار جبال البيرينيه في الشمال الشرقي للبلاد.
لكن الحكم بن هشام بفضل من الله ومنٍ عليه أنه تاب عن أفعاله في آخر عهده، ورجع عن ظلمه، واستغفر واعتذر للناس عن ذنوبه، ثم اختار من أبنائه أصلحهم وإن لم يكن الأكبر ليكون وليا لعهده، وكان من حسن خاتمته أنه قام بهذا الاعتذار وهذه التوبة وهو في كامل قوته وبأسه، وذلك قبل موته بعامين.

عهد عبد الرحمن الأوسط
بعد الحكم بن هشام تولى ابنه عبد الرحمن الثاني، وهو المعروف في التاريخ باسم عبد الرحمن الأوسط فهو الأوسط بين عبد الرحمن الداخل وعبد الرحمن الناصر كما سيأتي، وقد حكم من سنة ست ومائتين وحتى آخر الفترة الأولى عهد القوة من عهد الإمارة الأموية، وذلك سنة ثمان وثلاثين ومائتين من الهجرة، وتعد فترة حكمه هذه من أفضل فترات تاريخ الأندلس، فاستأنف الجهاد من جديد ضد النصارى في الشمال وألحق بهم هزائم عدة، وكان حسن السيرة، هادئ الطباع، محبا للعلم محبا للناس.
ومن أهم ما ميز عهد عبد الرحمن الأوسط الأمور الثلاثة التالية
أولا ازدهار الحضارة العلمية
كان عبد الرحمن الأوسط لتقديره العلم يستقدم العلماء من بغداد ومن كل بلاد العالم الإسلامي، فجاءوا إلى بلاد الأندلس وعظمهم وأكرمهم ورفع من شأنهم، وأسس نواة مكتبة قرطبة العظيمة، وأشاع التعليم في كل بلاد الأندلس.

وقد اشتهر العلماء في هذه الفترة في كل مجالات العلوم، وكان من أشهرهم في ذلك الوقت عباس بن فرناس رحمه الله، وهو أول من قام بمحاولة طيران في العالم، وقد راح ضحية هذه المحاولة البكر، وفضلا عن هذا فقد كانت له اختراعات كثيرة في شتى المجالات، فاخترع آله لتحديد الوقت، واخترع آله تشبه قلم الحبر، وقد كان لهذا الاختراع أهمية كبيرة في ذلك الزمن الذي انتشر فيه العلم والتعليم، ويعد أيضا أول من اخترع الزجاج من الحجارة.

ثانيا ازدهار الحضارة المادية
اهتم عبد الرحمن الأوسط بالحضارة المادية العمرانية والاقتصادية وغيرهااهتماما كبيرا، فازدهرت حركة التجارة في عهده، ومن ثم كثرت الأموال؛ الأمر الذي أجمع فيه المؤرخون أنه لم يكن هناك في الأندلس ما نسميه بـ "عادة التسول"، كانت هذه العادة منتشرة في بعض البلاد الإسلامية الأخرى لكنها لم تُعرف أصلا في بلاد الأندلس.

كذلك تقدمت وسائل الري في عهده بشكل رائع، وتم رصف الشوارع وإنارتها ليلا في هذا العمق القديم جدا في التاريخ، الوقت الذي كانت أوروبا تعيش فيه في جهل وظلام دامس، كما أقام القصور المختلفة والحدائق الغنّاء، وتوسع جدا في ناحية المعمار حتى كانت المباني الأندلسية آية في المعمار في عهده

ثالثا وقف غزوات النورمان
النورمان هم أهل إسكندنافيا، وهي بلاد تضم الدانمارك والنرويج وفنلندا والسويد، وقد كانت هذه البلاد تعيش في همجية مطلقة، فكانوا يعيشون على ما يسمى بحرب العصابات، فقاموا بغزوات عرفت باسم غزوات الفايكنج، وهي غزوات إغارة على أماكن متفرقة من بلاد العالم، ليس من هم لها إلا جمع المال وهدْم الديار.

في عهد عبد الرحمن الأوسط وفي سنة ثلاثين ومائتين من الهجرة هجمت هذه القبائل على أشبيلية من طريق البحر في أربع وخمسين سفينة، دخلوا فأفسدوا فسادا كبيرا، فدمروا أشبيلية تماما، ونهبوا ثرواتها، وهتكوا أعراض نسائها، ثم تركوها إلى شذونة وألمرية ومرسيه وغيرها من البلاد فأشاعوا الرعب وعم الفزع، وشتّان بين المسلمين في فتحهم للبلاد وبين غيرهم في معاركهم.

ما كان من عبد الرحمن الأوسط رحمه الله إلا أن جهز جيشه وأعد عدته، ولأكثر من مائة يوم كاملة دارت بينه وبينهم معارك ضارية، أغرقت خلالها خمس وثلاثين سفينة للفايكنج، ومنّ الله على المسلمين بالنصر، وعاد النورمان إلى بلادهم خاسئين.

لم يجنح عبد الرحمن الأوسط رحمه الله بعدها إلى الدعة أو الخمول، وإنما عمل على تفادي تلك الأخطاء التي كانت سببا في دخول الفايكنج إلى بلاده فقام بما يليأولا رأى أن أشبيلية تقع على نهر الوادي الكبير الذي يصب في المحيط الأطلنطي، ومن السهولة جدا أن تدخل سفن الفايكنج أو غيرها من المحيط الأطلنطي إلى أشبيلية، فقام بإنشاء سور ضخم حول أشبيلية، وحصّنها تحصينا ظلت بعده من أحصن حصون الأندلس بصفة عامة.
ثانيا لم يكتف بذلك بل قام أيضا بإنشاء أسطولين قويين جدا، أحدهما في الأطلسي والآخر في البحر الأبيض المتوسط، وذلك حتى يدافع عن كل سواحل الأندلس، فكانت هذه الأساطيل تجوب البحار وتصل إلى أعلى حدود الأندلس في الشمال عند مملكة ليون، وتصل في البحر الأبيض المتوسط حتى إيطاليا.
وكان من نتيجة ذلك أنه فتح جزر البليار للمرة الثانية، كنا قد ذكرنا أن الذي فتحها للمرة الأولى كان موسى بن نصير رحمه الله وذلك قبل فتح الأندلس سنة إحدى وتسعين من الهجرة، ثم سقطت في أيدي النصارى في عهد الولاة الثاني حين انحدر حال المسلمين آنذاك، وهنا وفي سنة أربع وثلاثين ومائتين من الهجرة تم فتحها ثانية.
كذلك كان من نتيجة هزيمة الفايكنج في هذه الموقعة قدوم سفارة من الدانمارك محملة بالهدايا تطلب ود المسلمين، وتطلب المعاهدة معهم .

الفترة الثانية من الإمارة الأموية فترة الضعف
بوفاة عبد الرحمن الأوسط رحمه الله يبدأ عهد جديد في بلاد الأندلس، وهو فترة الضعف في الإمارة الأموية، ويبدأ من سنة ثمان وثلاثين ومائتين وحتى سنة ثلاثمائة من الهجرة، أي حوالي اثنتين وستين سنة.
تولى بعد عبد الرحمن الأوسط ابنه محمد بن عبد الرحمن الأوسط ثم اثنين من أولاده المنذر ثم عبد الله، وحقيقة الأمر أن الإنسان ليتعجب كيف بعد هذه القوة العظيمة والبأس الشديد والسيطرة على بلاد الأندلس وما حولها يحدث هذا الضعف وهذا السقوط وهذا الانحدار؟!

أولا انفتاح الدنيا وحب الغنائم.
ثانيا القبلية والقومية.
ثالثا ظلم الولاة.
رابعا ترك الجهاد.
وكل هذه الأسباب لم تنشأ فجأة، وإنما كانت بذورها قد نشأت منذ أواخر عهد القوة من عهد الولاة أثناء وبعد موقعة بلاط الشهداء.

إذن لكي نفهم سبب ضعف الإمارة الأموية علينا أن نرجع قليلا، وندرس الفترة الأخيرة من عهد القوة، ونبحث فيها عن بذور الضعف والأمراض التي أدّت إلى هلكة أو ضعف الإمارة الأموية في هذا العهد الثاني.


وقفة مع عبد الرحمن الناصر وبداية حياته نحو الإصلاح
تعليمية

عبد الرحمن الناصر وتغيير التاريخ
بعد تولي عبد الرحمن الناصر الحكم وبهذه المؤهلات السابقة، بهذه التربية الشاملة لكل فروع ومقومات الشخصية الإسلامية السوية، وبهذه الثقة الشديدة بالله وبنفسه، أقدم على تغيير التاريخ، فقام بما يلي

أولا إعادة توزيع المهام والمناصب، أو ما يمكن تسميته "تنظيف قرطبة"

حين تولى الحكم لم يكن يملك عبد الرحمن الناصر من بلاد الأندلس سوى قرطبة وما حولها من القرى، ورغم أنها تعد أكبر بلاد الأندلس وتمثل مركز ثقل كبير لكونها العاصمة، إلا أنها لم تكن لتمثل أكثر من عشر مساحة الأندلس، بدأ عبد الرحمن الناصر من هذه المساحة الصغيرة يغير من التاريخ.
قام بتطهير المراكز المرموقة في قرطبة، من وزراء وقواد للجيش وغيرهم من رموز الفساد التي استولت عليها، واستبدالهم بمن ينتقيهم هو ممن يتصفون بالتقوى والورع ونظافة اليد وسعة العلم، وهكذا في كل المراكز القيادية في قرطبة.

ثم أعلى من شأن العلماء جدا، ورفع منزلتهم فوق منزلته نفسه، ورضخ لأوامرهم ونواهيهم، فطبق ذلك على نفسه أولا قبل أن يطبقه على شعبه، ثم طبق الشرع الإسلامي بكامله، ولم يتنازل ولو عن نقطة واحدة من أحكام الشرع الكريم

ثانيا الاتجاه إلى الثورات ومحاولة ترويضهابعد الانتهاء من الشأن الداخلي في قرطبة وتهيئته تماما بدأ عبد الرحمن الناصر رحمه الله يتجه إلى المحيط الخارجي، حيث الثورات المتعددة في كل أرض الأندلس، هداه تفكيره إلى أن يبدأ بعمر أو صمويل بن حفصون؛ وذلك لسببينالأول أن هذا الرجل لا يختلف اثنان على أنه يستحق القتل؛ وذلك لأنه ارتد عن دين الله سبحانه وتعالى ومن ثم فقد أصبح قتاله فرضا على المسلمين. والسبب الثاني أنه يستطيع بذلك أن يحفز أهل قرطبة الذين كانوا قد ألفوا الثورات في هذه الآونة؛ حيث المعركة في منتهى الوضوح هي بين المسلمين والمرتدين.

في الطريق للقضاء على ثورة صمويل بن حفصون
بعد نحو شهرين فقط من توليه الحكم قاد عبد الرحمن الناصر أول حملة له لقتال المرتدين استرد فيها مدينة أَسْتُجّه، وكانت من أحصن مدن الأندلسكما علمنا عند بداية الفتوحات- ثم بعد ذلك بنحو شهرين أو ثلاثة أشهر قاد بنفسه حملة كبيرة على صمويل بن حفصون استمر مداها طيلة ثلاثة أشهر كاملة، هي شعبان ورمضان وشوال من سنة ثلاثمائة من الهجرة من نفس العام الذي تولى فيه رحمه الله فاسترد جَيّان، وهي أيضا من المدن الحصينة جدا في الأندلس، ويكفي لمعرفة هذا أنه استرد فيها سبعين حصنا من حصون صمويل بن حفصون.
ما زالت قوة صمويل بن حفصون كبيرة جدا؛ فالمدد يأتيه من الشمال من دول النصارى، ويأتيه أيضا من الجنوب من الدولة الفاطمية، هذا فضلا عن إمدادات مدينة أشبيلية والتي كان عليها حاكم مسلم من أولاد ابن حجاج، لكنه كان متمردا على سلطة قرطبة، وكان يملك جيشا مسلما كبيرا.
فكر عبد الرحمن الناصر كثيرا في كيفية قطع هذه الإمدادات على صمويل بن حفصون، اهتدى أخيرا في أن يبدأ بالهجوم على مدينة أشبيلية أكبر مدن الجنوب بعد قرطبة؛ وذلك بمنطق النزعة الإسلامية التي غلبت عليه، حيث أمّل إن هو ذهب إلى أشبيلية واستطاع أن يُرغم حاكمها على الانضمام له أو الانصياع إليه بالقوة أن ينضم إليه جيش أشبيلية المسلم الكبير، وبذلك تقوى جيوش الدولة الأموية، وتقوى شوكته.
وبالفعل وبعون من الله كان له ما أمّل، حيث ذهب إلى أشبيلية بعد أقل من عام واحد من ولايته في سنة ثلاثمائة وواحد من الهجرة، واستطاع أن يضمها إليه؛ فقويت بذلك شوكته وعظم جانبه، فعاد إلى صمويل بن حفصون بعد أن قطع عنه المدد الغربي الذي كان يأتيه من أشبيلية، واسترد منه جبال رندة ثم شذونة ثم قرمونة، وهي جميعا من مدن الجنوب.
تعمق عبد الرحمن الناصر بعد ذلك ناحية الجنوب حتى وصل إلى مضيق جبل طارق فاستولى عليه، ويكون بذلك أيضا قد قطع الإمدادات والمساعدات التي كانت تأتيه من الجنوب من الدولة الفاطمية عن طريق مضيق جبل طارق، وسعى عبد الرحمن الناصر إلى أكثر من هذا حيث قطع أيضا طريق الإمدادات التي كانت تأتيه من الدول النصرانية في الشمال عن طريق المحيط الأطلسي، ثم مضيق جبل طارق، ثم البحر الأبيض المتوسط حتى تصله، وبذلك يكون عبد الرحمن الناصر قد قطع عن صمويل بن حفصون كل طرق الإمدادات والمساعدات التي كانت تمده وتقويه.

لم يجد صمويل بن حفصون بدا من طلب الصلح والمعاهدة من عبد الرحمن الناصر على أن يعطيه اثنين وستين ومائة حصنا من حصونه، ولأن البلاد كانت تشهد موجة من الثورات والانقسامات يريد عبد الرحمن الناصر أن يتفرغ لها، فضلا عن أنه سيضمن في يده اثنين وستين ومائة حصنا وسيأمن جانبه فقد قبل المعاهدة ووافق على الصلح من صمويل بن حفصون.

عبد الرحمن الناصر يفجأ الجميع ويتجه نحو الشمال الغربي
أصبحت قوة عبد الرحمن الناصر رحمه الله تضم قرطبة وأشبيلية وجيان وأستجة، وهي جميعا من مدن الجنوب، بالإضافة إلى حصون أخرى كثيرة – كما ذكرنا – وكل هذه المساحة كانت تمثل تقريبا سدس مساحة الأندلس الإسلامية في ذلك الوقت، هذه واحدة.
الأمر الثاني أن صمويل بن حفصون ما زال يملك حصونا كثيرة ويسيطر سيطرة كاملة على الجنوب الشرقي من البلاد، لكن قطعت عنه الإمدادات الخارجية سواء من النصارى أو الدولة الفاطمية أو أشبيلية.
والأمر الثالث أنه كان هناك تمرد في طليطلة تقع في شمال قرطبة، ورابعاتمرد في سرقسطة في الشمال الشرقي، وخامسا تمرد في شرق الأندلس في بلنسية، وسادسا تمرد في غرب الأندلس يقوده عبد الرحمن الجليقي.
أي أن الأندلس في عام اثنين وثلاثمائة من الهجرة كانت مقسمة إلى ستة أقسام، قسم واحد فقط في يد عبد الرحمن الناصر، ويضم قرطبة وأشبيلية وما حولها بما يقارب سدس مساحة الأندلس كما ذكرنا، والخمسة الأخرى موزعة على خمس متمردين، والمتوقع – إذن – هو أن يحاول عبد الرحمن الناصر من جديد مقاومة إحدى مراكز التمرد هذه إن لم تكن الأقرب إليه.
وإن المرء ليقف فاغرا فاه شاخصا بصره حين يعلم أن عبد الرحمن الناصر ترك كل هذه التمردات، واتجه صوب الشمال الغربي صوب مملكة ليون النصرانية مباشرة. ترك عبد الرحمن الناصر كل شيء وأخذ جنده من قرطبة وأشبيلية وصعد في اتجاه الشمال الغربي ليقابل قوات النصارى هناك، والتي كانت تهاجم منطقة من مناطق المتمردين غرب الأندلس.
ظل عبد الرحمن الناصر في حرب مع قوات النصارى تلك في أرض المتمردين عامين كاملين، عاد بعدها منتصرا محملا بالغنائم، تاركا البلاد راجعا إلى قرطبة وأشبيلية، وكأنه أراد أن يعلم الناس أمرا ويرسل إليهم برسالة في منتهى الوضوح كانت قد خفيت عليهم، مفادها الأعداء الحقيقيين ليسو المسلمين في الداخل، إنما هم النصارى في الشمال، إنما هم في مملكة ليون، ومملكة نافار، ومملكة أراجون.

بهذا العمل استطاع عبد الرحمن الناصر رحمه الله إحراج المتمردين إحراجا كبيرا أمام شعوبهم.

عبد الرحمن الناصر والطريق إلى راية واحدة للأندلس
لم يلتقط عبد الرحمن الناصر رحمه الله أنفاسه، وقام في سنة ثمان وثلاثمائة من الهجرة بالتحرك نحو واحدة من مراكز التمرد وهي طليطلة، تلك التي لم تستطع أن تقف أمام هذه القوة الجارفة فضمها إليه في سهولة، بعدها أصبح الطريق آمنا نحو الشمال مباشرة؛ حيث سرقسطة في الشمال الشرقي، وطليطلة في وسط الشمال قد أصبحتا في يده.

وفي نفس العام في سنة ثمان وثلاثمائة من الهجرة، وعمره آنذاك ثلاثون سنة فقط، قام عبد الرحمن الناصر على رأس حملة ضخمة جدا باتجاه نصارى الشمال، فكانت غزوة موبش الكبرى بين عبد الرحمن الناصر من جهة، وجيوش ليون ونافار مجتمعة من جهة أخرى، واستمرت هذه الغزوة طيلة ثلاثة أشهر كاملة، حقق فيها عبد الرحمن الناصر انتصارات ضخمة وغنائم عظيمة، وضم إليه مدينة سالم وكانت تحت يد النصارى.
بعد أربعة أعوام من غزوة موبش وفي سنة اثنتي عشرة وثلاثمائة من الهجرة قاد عبد الرحمن الناصر بنفسه رحمه الله حملة ضخمة أخرى على مملكة نافار، واستطاع في أيام معدودات أن يكتسحها اكتساحا، ويضم إلى أملاك المسلمين مدينة بمبلونة عاصمة نافار، ثم بدأ بعدها يحرر الأراضي التي كان قد استولى عليها النصارى في عهد ضعف الإمارة الأموية.
وفي سنة ست عشرة ومائة من الهجرة يقود عبد الرحمن الناصر حملة أخرى على شرق الأندلس ويقمع التمرد الذي كان هناك ويضمها إلى أملاكه، ثم في نفس العام حملة أخرى على غرب الأندلس وهزيمة لعبد الرحمن الجليقي ومن ثم يضم غرب الأندلس إلى أملاكه من جديد.

وبذلك وبعد ستة عشرا عاما من الكفاح المضني، يكون رحمه الله قد وحّد الأندلس كله تحت راية واحدة، وحّدها جميعا ولم يتجاوز عمره آنذاك ثمانية وثلاثين عاما بعد، رحمه الله رحمة واسعة.

عهد جديد.. عهد الخلافة الأموية
نظر عبد الرحمن الناصر رحمه الله إلى العالم الإسلامي من حوله فوجد الخلافة العباسية قد ضعفت، وكان قد قُتل المقتدر بالله الخليفة العباسي في ذلك الوقت على يد مؤنس المظفر التركي، وقد تولى الأتراك حكم البلاد فِعْليا وإن كانوا قد أجلسوا الخليفة العباسي القادر بالله على كرسي الحكم.

ثم نظر رحمه الله إلى الجنوب فوجد الفاطميين قد أعلنوا الخلافة وسمّوا أنفسهم أمراء المؤمنين، فرأى أنه وقد وحّد الأندلس وصنع هذه القوة العظيمة أحق بهذه التسمية وبذلك الأمر منهم فأطلق على نفسه لقب أمير المؤمنين، وسمى الإمارة الأمويّة بالخلافة الأموية.

ومن هنا يبدأ عهد جديد في الأندلس هو عهد الخلافة الأموية، وذلك ابتداء من سنة ست عشرة وثلاثمائة وحتى سنة أربعمائة من الهجرة، أي نحو أربع وثمانين سنة متصلة، وهو يعد عهد الخلافة الأموية استكمالا لعهد الإمارة الأموية، مع فروق في شكليات الحكم وقوة السيطرة والسلطان لصالح الأخير.

عبد الرحمن الناصر يتابع سياسته العسكرية التوسعية
بعد ثلاث سنوات من إعلان الخلافة الأموية، وفي سنة تسع عشرة وثلاثمائة من الهجرة يتجه عبد الرحمن الناصر جنوبا نحو مضيق جبل طارق، ويقوم بغزو بلاد المغرب ويحارب الفاطميين هناك فيضم سبتة وطنجة إلى بلاد الأندلس، وتتم له بذلك السيطرة الكاملة على مضيق جبل طارق، فيبدأ بإمداد أهل السنة في منطقة المغرب بالسلاح، لكنه لم يشأ أن يمدهم بالجنود تحسبا لهجمات ممالك النصارى في الشمال.

وفي سنة ثلاث وعشرين وثلاثمائة من الهجرة تحدث خيانة من حاكم مملكة الشمال الشرقي سرقسطة محمد بن هشام التجيبي، حيث ينضم إلى مملكة ليون النصرانية لحرب عبد الرحمن الناصر، وبكل حزم وقوة يأخذ عبد الرحمن الناصر جيشا كبيرا يتصدى به لهذه الخيانة ويهاجم مدينة سرقسطة، وعند أطراف المدينة يهاجمه جيش سرقسطة، فيغزو عبد الرحمن الناصر قلعة حصينة ويمسك بقوّاد هذا الجيش، ويقوم بإعدامهم على الفور وأمام أعين الجميع في عمل لا يوصف إلا بالكياسة والحزم.
وهنا أعلن حاكم سرقسطة محمد بن هشام التجيبي ندمه وعودته إلى عبد الرحمن الناصر، وكعادة الأبطال الدهاة والساسة الحكماء قبل منه رحمه الله اعتذاره ثم أعاده حاكما على سرقسطة، رابحا بذلك كل قلوب التجيبيين بعد أن كان قد تملك منهم، وبمنطق الحزم وقت الحزم والعفو عند المقدرة عمل عبد الرحمن الناصر، فأطلق حكّام سرقسطة بعد أن أعلنوا توبتهم وأعاد التجيبيين إلى حكمهم؛ فأثّر ذلك كثيرا في المدينة كلها، فما ارتدت بعد ذلك على عهدها مع عبد الرحمن الناصر رحمه الله.
وفي سنة خمس وعشرين وثلاثمائة من الهجرة هجم عبد الرحمن الناصر على مملكة أراجون النصرانيّة في الشمال الشرقي بجوار مملكة سرقسطة وضمها إلى أملاك المسلمين، وكذلك ضم برشلونة والتي كانت قد سقطت منذ سنوات كثيرة.
وفي زلة لا تعرفها السنن الكونية راح عبد الرحمن الناصر يعتقد في جيشه وقوة عدده، ونسوا جميعا الدعاء الذي كانوا يتضرعون به لرب العالمين وهم عالة ضعفاء أن ينصرهم على أعدائهم، وفي درسٍ قاسٍ له ولجيشه الجرار، وفي حنين أخرى تدور واحدة من أشرس وأعنف المعارك على المسلمين أصحاب الأرقام الستة، سميت بموقعة الخندق أو موقعة سامورة.
وإذا بالتاريخ يعيد نفسه، وإذا بسامورة تنقلب حنينا، والله سبحانه وتعالى ليس بينه وبين أحد من البشر نسبا، فإذا أخطأ العباد وبعدوا عن ربهم سبحانه وتعالى تكون الهزيمة محققة لا محالة، فانهزم جيش المسلمين في موقعة الخندق أو موقعة سامورة، وبانتهاء المعركة كان نصف عدد الجيش خمسون ألفا بين القتل والأسر، وفر عبد الرحمن الناصر رحمه الله مع النصف الآخر عائدين بأكبر خسارة وأثقل هزيمة.
بعد موقعة سامورة لم يستسلم عبد الرحمن الناصر رحمه الله، وهو الذي رُبّي على الجهاد والطاعة لربه ولرسوله الكريم صلى الله عليه وسلم، فعلم مواضع الخلل ومواطن الضعف، ومن جديد تدارك أمره وقام وقام معه العلماء والمربون يحفزون الناس ويعلمونهم الإسلام.
ومن جديد أعادوا هيكلهم وقاموا بحرب عظيمة على النصارى في سنة تسع وعشرين وتسعمائة من الهجرة، تلتها حملات مكثفة وانتصارات تلو انتصارات، ظلت من سنة تسع وعشرين وتسعمائة إلى سنة خمس وثلاثين وثلاثمائة من الهجرة، حتى أيقن النصارى بالهلكة، وطلب ملك ليون الأمان والمعاهدة على الجزية، يدفعها لعبد الرحمن الناصر عن يد وهو صاغر.

كذلك فعل ملك نافار، ومثلهما مملكة أراجون النصرانية التي كانت في حوزة عبد الرحمن الناصر رحمه الله فدفعوا جميعا الجزية ابتداءا من سنة خمس وثلاثين وثلاثمائة إلى آخر عهده رحمه الله سنة خمسين وثلاثمائة من الهجرة

جهاد الحكم بن الناصر وتوسعاته
ظنت ممالك أوروبا الشمالية وممالك الأندلس النصرانية الشمالية أن الحكم بن عبد الرحمن الناصر يهتم بالعلم على حساب الجهاد، وعلى خلاف عهدهم الذي كانوا قد أبرموه مع أبيه عبد الرحمن الناصر قاموا بمهاجمة مناطق الشمال، فما كان من الحكم إلا أن ردّ عليهم كيدهم في نحورهم، وهاجمهم بغزوات كغزوات أبيه، وانتصر عليهم رحمه الله في مواقع عدة، حتى رضوا بالجزية من جديد عن يد وهم صاغرون.

ومن منطلق إسلامي بَحْت بدأ عبد الرحمن الناصر رحمه الله في حرب الدولة الفاطمية في بلاد المغرب، كان الأندلسيون لا يملكون سوى مينائي سبتة وطنجة في عهد عبد الرحمن الناصر، وفي عهد الحكم بن عبد الرحمن الناصر كانت قد انضمت كل بلاد المغرب إلى الأندلس تحت حكم الخلافة الأمويّة.

ظل الحكم بن عبد الرحمن الناصر رحمه الله يحكم من سنة خمسين وثلاثمائة من الهجرة، وحتى سنة ست وستين وثلاثمائة من الهجرة، في فترة هي أقوى فترات الأندلس على الإطلاق وأعظم عهودها.

بالرغم من أنه كان من أفضل الحكام المسلمين على الأندلس إلا أن الحكم بن عبد الرحمن الناصر في آخر عهده قد أخطأ خطأ جسيما، فقد أصيب في آخر أيامه بالفالج شلل فقام باستخلاف أكبر أولاده هشام بن الحكم وعمره آنذاك اثنتا عشرة سنة فقط، استخلفه على بلاد الأندلس وفوقها بلاد النصارى في الشمال ومن تحتها الدولة الفاطمية في الجنوب، وكل ممالك أوروبا تتشوق إلى الكيد بهذه القوة العظيمة وهزيمتهاوهي بلا شك زلّة خطيرة جدا من الحكم بن عبد الرحمن الناصر؛ إذ كان عليه أن ينتقي من يستخلفه لهذه المهمة الجسيمة، ويولي رجلا آخر من بني أميّة، يستطيع أن يقوم بالأعباء الثقيلة لمهمة حكم دولة قوية، كثيرة الأعداء متسعة الأطراف، ومترامية الأبعاد كدولة الأندلس.

توفي الحكم بن عبد الرحمن الناصر رحمه الله سنة ست وستين وثلاثمائة من الهجرة، مستخلفا على الحُكم ابنه الطفل الصغير هشام بن الحكم .

ملوك الطوائف
وهو ذلك العهد الذي قسمت فيه بلاد الأندلس إلى سبع مناطق رئيسة هي كما يلي
أولا بنو عبادوهم من أهل الأندلس الأصليين الذين كان يطلق عليهم اسم المولدين، وقد أخذوا منطقة أشبيلية.
ثانيا بنو زيري وهم من البربر، وقد أخذوا منطقة غرناطة، وكانت أشبيلية وغرناطة في جنوب الأندلس.
ثالثا بنو جهور وهم الذين كان منهم أبو الحزم بن جهور زعيم مجلس الشورى، وقد أخذوا منطقة قرطبة.
رابعا بنو الأفطس وكانوا أيضا من البربر، وقد استوطنوا غرب الأندلس، وأسسوا هناك إمارة بطليوس.
خامسا بنو ذي النون كانوا أيضا من البربر، واستوطنوا المنطقة الشمالية والتي فيها طليطلة وما فوقها.
سادسا بنو عامر وهم أولاد بني عامر الذي يعود أصلهم إلى اليمن، فاستوطنوا شرق الأندلس، وكانت عاصمتهم بلنسية.
سابعا بنو هود وهؤلاء أخذوا منطقة سرقسطة، تلك التي تقع في الشمال الشرقي.

صور عابرة من أوضاع الطوائف والدويلات
أولا أنفة وعزة في زمن عز أن تشم رائحتهما
كما رأينا حال وواقع كل الممالك وأمراء المؤمنين في هذه الفترة، وكل يدفع الجزية إلى ألفونسو السادس ومن معه، إلا أنه كان هناك رجلا واحدا كان يملك عزة وأنفا، ولم يرضَ بدفع الجزية، وهو المتوكل بن الأفطس أمير مملكة بطليوس.
فرغم ذلك الجو المفعم بالذل والخزي، ورغم أن مملكته كانت صغيرة جدا، إلا إن المتوكل بن الأفطس لم يكن يدفع الجزية للنصارى، وبالطبع فقد كان النصارى يعلمون أن هذا الرجل مارق وخارج عن الشرعية، تلك التي كانت تحكم البلاد في ذلك الوقت؛ حيث خرج عن المألوف واعتز بإسلامه ولم يقبل الذل كغيره من أبناء جلدته.
وهنا أرسل له ألفونسو السادس رسالة شديدة اللهجة يطلب فيها منه أن يدفع الجزية كما كان يدفعها إخوانه من المسلمين في الممالك الإسلامية المجاورة، فكان من نبأ المتوكل بن الأفطس أنه أرسل له ردا عجيبا، أرسل إليه برسالة حفظها التاريخ ليعلم قارئيه أن المؤمن وهو في أشد عصور الانحدار والانهيار إذا أراد أن تكون له عزة فلا محالة هي كائنة، يقول المتوكل بن الأفطس في رسالتهوصل إلينا من عظيم الروم كتاب مدعٍ في المقادير وأحكام العزيز القدير، يرعد ويبرق، ويجمع تارة ثم يفرق، ويهدد بجنوده المتوافرة وأحواله المتظاهرة، ولو علم أن لله جنودا أعز بهم الإسلام وأظهر بهم دين نبيه محمد عليه الصلاة والسلام أعزة على الكافرين، يجاهدون في سبيل الله لا يخافون، بالتقوى يُعرفون وبالتوبة يتضرعون، ولإن لمعت من خلف الروم بارقة فبإذن الله وليعلم المؤمنين، وليميز الله الخبيث من الطيب ويعلم المنافقين.
أما تعييرك للمسلمين فيما وهى من أحوالهم فبالذنوب المركومة، ولو اتفقت كلمتنا مع سائرنا من الأملاك لعلمت أي مصاب أذقناك كما كانت آباؤك تتجرعه، وبالأمس كانت قطيعة المنصور على سلفك لما أجبر أجدادك على دفع الجزية حتى أهدى بناته إليه. وكان ملك نافار جد ألفونسو السادس قد أرسل ابنته هديه إلى المنصور حتى يأمن جانبه، وهي أم عبد الرحمن بن المنصور الذي انتهت بحكمه الدولة العامرية كما ذكرنا.
ويضيف المتوكل بن الأفطس قائلا أما نحن إن قلّت أعدادنا وعدم من المخلوقين استمدادنا، فما بيننا وبينك بحر نخوضه ولا صعب نروضه، ليس بيننا وبينك إلا السيوف، تشهد بحدها رقاب قومك، وجلاد تبصره في نهارك وليلك، وبالله تعالى وملائكته المسومين نتقوى عليك ونستعين، ليس لنا سوى الله مطلب، ولا لنا إلى غيره مهرب، وما تتربصون بنا إلا إحدى الحسنيين، نصر عليكم فيا لها من نعمة ومنة، أو شهادة في سبيل الله فيا لها من جنة، وفي الله العوض مما به هددت، وفرج يفرج بما نددت ويقطع بما أعددت
ما كان من ألفونسو السادس إلا أن وجم ولم يفكر ولم يستطع أن يرسل له جيشا، فقد غزا كل بلاد المسلمين في الأندلس خلا بطليوس، لم يتجرأ على أن يغزوها، فكان يعلم أن هؤلاء الرجال لا يقدر أهل الأرض جميعهم على مقاومتهم، فأعز الإسلامُ ورفع من شأن المتوكل بن الأفطس ومن معه من الجنود القليلين حين رجعوا إليه، وبمجرد أن لوحوا بجهاد لا يرضون فيه إلا بإحدى الحسنيين، نصر أو شهادة.
ثانيا ضعف وخور وذل وهوان
لم يكن عموم الوضع في أرض الأندلس على شاكلة الصورة السابقة في موقف المتوكل بن الأفطس من ألفونسو السادس
والصورة الأولى من الشمال الشرقي للأندلس وبالقرب من فرنسا، وبالتحديد في سرقسطة التي كان يحكمها كما ذكرنا بنو هود، فحين وافت حاكم سرقسطة المنية أراد أن يستخلف من بعده، وكان له ولدان، الكبير، وكان الأولى لكبره كما هي العادة في توارث الحكم، والصغير، وهو الأنجب والأفضل من الكبير، ولئلا يظلم أيا منهما كما خُيّل له فقد قام الأب الحاكم بعمل غريب لم يتكرر في التاريخ؛ حيث قسم الدويلة، الأرض والشعب والجيش، كل شيء إلى نصفين لكل منهما النصف.
يموت الأب وتمر الأيام ويختلف الأخوان على الحدود فيما بينهما، فيقوم أحدهما بالهجوم على أخيه لتحرير حقه وأرضه المسلوبة، ولأنه لم يكن له طاقة بالهجوم لأن الجيش مقسم والكيان ضعيف، فما كان من هذا الأخ إلا أنه استعان بملك نصراني ليحرر له أرضه من أخيه المسلم.
لم يستمع هذا الأخ ما قيل له من أن هذا الملك النصراني سيأخذ هذه الأرض ويضمها إلى أملاكه، فكان اعتقاده أن ملك برشلونة (مملكة أراجون) رئيس دولة صديقة، ويستطيع أن يأخذ له حقه من أخيه، وكان كل همه أن يظل ملكا على دويلته، وملكه لا بد وأن يعود إلى حوزته.
مأساة بربشترجاء النصارى بالفعل ودخلوا البلاد، وفي مملكة سرقسطة أحدثوا من المآسي ما يند له الجبين، ومن أشهر أفعالهم فيها ما عرف في التاريخ بمأساة بربشتر.
دخل النصارى على بربشتر البلد المسلم ليحرروه ويعطوه للأخ المسلم الذي ادعى أن أخاه قد اغتصبه منه، بدأ الأمر بالحصار وذلك في جمادى الآخرة سنة ست وخمسين وأربعمائة من الهجرة، وظل مداه طيلة أربعين يوما كاملة، والمسلمون في الداخل يستغيثون بكل أمراء المؤمنين في كل أرض الأندلس، ولكن لا حراك، فالقلوب تمتلئ رهبة من النصارى، وأمراء المسلمين يعتقدون بأنهم ليس لهم طاقة بحربهم أو الدفاع عن إخوانهم ضدهم، وفكروا بأن يستعينوا بدولة أخرى غير تلك الدولة الصديقة المعتدية، وظلوا الأربعين يوما يتفاوضون ويتناقشون حتى فتح النصارى بربشتر.
ما إن دخل النصارى بربشتر، وفي اليوم الأول من دخولهم قتلوا من المسلمين أربعين ألفا، (من رواية ياقوت الحموي، وهناك رواية أخرى تزيدهم إلى مائة ألف) وسبوا سبعة آلاف فتاة بكر منتخبة (أجمل سبعة آلاف فتاة بكر في المدينة) وأعطين هدية لملك القسطنطينية، وأحدثوا من المآسي ما تقشعر منه الأبدان وتنخلع منه القلوب؛ إذ كانوا يعتدون على البكر أمام أبيها وعلى الثيًب أمام زوجها، والمسلمون في غمرة ساهون.
ومثل هذه الصورة لا نعدمها عبر التاريخ في حقل الصراع بين المسلمين والنصارى حتى عصرنا الشاهد، وليس ببعيد عنا ما قام به النصارى وإخوانهم اليهود في البوسنة والهرسك، حيث اغتصاب لخمسين ألف فتاة وقتل لمائتي وخمسين ألف مسلم، غير ما حدث في كشمير وكوسوفا، وما يقومون به اليوم في فلسطين وغيرها من بلاد المسلمين الممتحنة.
مأساة بلنسيهومثلها أيضا كانت مأساة بلنسيه في سنة ست وخمسين وأربعمائة من الهجرة، حيث قتل ستون ألف مسلم في هجوم للنصارى عليها. ولا أحد يتحرك من المسلمين.
ثالثا غنى فاحش وأموال في غير مكانها
رغم ما كان من صور الضعف والمآسي السابقة وأمثالها الكثير والكثير إلا إن أمراء المسلمين كانوا لاهين غير عابئين بما يدور حولهم، فقد كانوا يملكون من المال الكثير، والذي شغلهم بدنياهم عن دينهم، ومما جاء في ذلك أن زوجة حاكم أشبيلية المعتمد على الله بن عباد كانت تقف ذات مرة في شرفة قصرها فشاهدت الجواري وهن يلعبن في الطين خارج القصر، فاشتهت نفسها أن تفعل مثلهن وتلعب في الطين.
ما كان من حاكم أشبيلية (المعتمد على الله) إلا أن صنع لها طينا خاصا لها، فاشترى كميات كبيرة من المسك والعنبر وماء الورد، وخلطها وجعلها طينا خاصا بالملوك، حتى وإن كان من أموال المسلمين، لعبت زوجة الملك بهذا الطين ثم سأمت منه، ومرت الأيام وضاع ملك المعتمد على الله، وحدث شجار مع زوجته تلك في أحد الأيام فقالت له كعادة من يكفرن العشير ما رأيت منك من خير قط، فرد عليها واثقا ولا يوم الطين؟! فسكتت واستحيت خجلا من الأموال (أموال المسلمين) التي أنفقت عليها في لُعبة كانت قد اشتهتها.

سقوط طليطلة..
ما زلنا في عهد ملوك الطوائف وقد تصاعدت المأساة كثيرا في بلاد الأندلس، ففي سنة ثمان وسبعين وأربعمائة من الهجرة تسقط طليطلة، يسقط الثغر الإسلامي الأعلى في بلاد الأندلس، المدينة التي كانت عاصمة للقوط قبل دخول المسلمين في عهد موسى بن نصير وطارق بن زياد رحمهما الله، طليطلة التي فتحها طارق بن زياد بستة آلاف، فتحها بالرعب قبل مسيرة شهر منها، طليطلة الثغر الذي كان يستقبل فيه عبد الرحمن الناصر الجزية من بلاد النصارى، ومنه كان ينطلق هو ومن تبعه من الحكام الأتقياء لفتح بلادهم في الشمال، طليطلة المدينة العظيمة الحصينة التي تحوطها الجبال من كل النواحي عدا الناحية الجنوبية.
وكان قد سبق سقوط طليطلة استقبالٌ لملك من ملوك النصارى مدة تسعة أشهر كاملة، حيث كان قد فر هاربا من جراء خلاف حدث معه في بلاد النصارى، ومن ثم فقد لجأ إلى (صديقه) المقتدر بالله حاكم طليطلة، والذي قام بدوره (حاكم طليطلة) في ضيافته على أكمل وجه، فأخذ يتجول به في كل أنحاء البلد، في كل الحصون وكل المداخل، وعلى الأنهار الداخلة لمدينة طليطلة.
وحين عاد الرجل النصراني إلى بلاده حاكما كان أول خطوة خطاها هي الهجوم على طليطله، فقام بفتحها وضمها إلى بلاده، وقد كان معاونا وصديقا قبل ذلك، فكان كما أخبر سبحانه وتعالى [يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا لَا تَتَّخِذُوا عَدُوِّي وَعَدُوَّكُمْ أَوْلِيَاءَ تُلْقُونَ إِلَيْهِمْ بِالمَوَدَّةِ وَقَدْ كَفَرُوا بِمَا جَاءَكُمْ مِنَ الحَقِّ يُخْرِجُونَ الرَّسُولَ وَإِيَّاكُمْ أَنْ تُؤْمِنُوا بِاللهِ رَبِّكُمْ إِنْ كُنْتُمْ خَرَجْتُمْ جِهَادًا فِي سَبِيلِي وَابْتِغَاءَ مَرْضَاتِي تُسِرُّونَ إِلَيْهِمْ بِالمَوَدَّةِ وَأَنَا أَعْلَمُ بِمَا أَخْفَيْتُمْ وَمَا أَعْلَنْتُمْ وَمَنْ يَفْعَلْهُ مِنْكُمْ فَقَدْ ضَلَّ سَوَاءَ السَّبِيلِ] {الممتحنة1} .فضَلّ المقتدر بالله سواء السبيل، وأسرّ لملك النصارى بأسرارها، فسقطت طليطلة.
وبسقوط طليطلة اهتز العالم الإسلامي في الشرق والغرب، وحدث إحباط شديد في كل بلاد الأندلس، وفي تصوير بارع لهذا الإحباط نرى ابن عسال أحد الشعراء المعاصرين لهذا السقوط يقول
شُدُّوا رَوَاحِلَكُمْ يَا أَهْلَ أَنْدَلُسِ ، فَمَا الْمَقَامُ فِيهَا إِلَّا مِنَ الْغَلَطِ

الثَّوْبُ يَنْسَلُّ مِنْ أَطْرَافِهِ ، وَأَرَى ثَوْبَ الْجَزِيرَةِ مَنْسُولًا مِنَ الْوَسَطِ

مَنْ جَاوَرَ الشَّرَّ لَا يَأْمَنْ بَوَائِقَهُ ، كَيْفَ الْحَيَاةُ مَعَ الْحَيَّاتِ فِي سَفَطٍ
وهي صورة عجيبة ينقلها ذلك الشاعر (إعلام ذلك الوقت) المحبط، حتى لكأنه يدعو أهل الأندلس جميعا بكل طوائفه ودويلاته إلى الهجرة والرحيل إلى بلاد أخرى غير الأندلس؛ لأن الأصل الآن هو الرحيل، أما الدفاع أو مجرد المكوث فهو ضرب من الباطل أو هو (الغلط) بعينه، ولقد سانده وعضد موقفه هذا أن من الطبيعي إذا ما انسلت حبة من العقد مثلا فإن الباقي لا محالة مفروط، فما البال وما الخطب إذا كان ما انسل هو الأوسط وهي طليطلة أوسط بلاد الأندلس، فذاك أمر ليس بالهزل، بل وكيف يعيشون بجوار هؤلاء (الحيات) إن هم رضوا لهم بالبقاء؟! فما من طريق إلا الفرار وشد الرحال.

حصار أشبيلية
مع هذا الحدث السابق المؤسف تزامن حصار أشبيلية، وإن تعجب فعجب لماذا تُحاصر أشبيلية وحاكمها يدفع الجزية لألفونسو السادس، وهي أيضا بعيدة كل البعد عن مملكة قشتالة، حيث تقع في الجنوب الغربي من الأندلس؟!
وإن العجب ليكمن خلف قصة هذا الحصار، حيث أرسل ألفونسو السادس حاكم قشتالة وزيرا يهوديا على رأس وفد إلى أشبيلية لأخذ الجزية كالمعتاد، فذهب الوفد إلى المعتمد على الله بن عباد وحين أخرج له الجزية كما كل مرة وجد الوزير اليهودي يقول له متبجحا إن لي طلبا آخر غير الجزية، فتساءل (المعتمد على الله) عن هذا الطلب، وفي صلف وغرور وإساءة أدب أجابه الوزير اليهودي بقوله إن زوجة ألفونسو السادس ستضع قريبا، وألفونسو السادس يريد منك أن تجعل زوجته تلد في مسجد قرطبة.
تعجب المعتمد على الله وسأله عن هذا الطلب الغريب الذي لم يتعوده، فقال له الوزير اليهودي في رد يمثل قمة في التحدي ولا يقل إساءة وتبجحا عن سابقهلقد قال قساوسة قشتالة لألفونسو السادس إنه لو ولد لك ولد في أكبر مساجد المسلمين دانت لك السيطرة عليهم.
وكعادة النفوس التي قد بقي بها شيء من عوالق الفطرة السوية أخذت الغيرة المعتمد على الله، فرفض هذا الطلب المزري ووافق على دفع الجزية فقط، وبطبيعته فما كان من الوزير اليهودي إلا أن أساء الأدب وسبه في حضرة وزرائه.
وبنخوة كانت مفقودة قام المعتمد على الله وأمسك بالوزير اليهودي وقطع رأسه، ثم اعتقل بقية الوفد، ثم أرسل رسالة إلى ألفونسو السادس مفادها أنه لن يدفع الجزية ولن يحدث أن تلد زوجتك في مسجد قرطبة.
جن جنون ألفونسو السادس، وعلى الفور جمع جيشه وأتى بحده وحديده، فأحرق كل القرى حول حصن أشبيلية الكبير، وحاصر البلاد، وطال الحصار فأرسل إلى المعتمد على الله إن لم تفتح سأستأصل خبركم.
طاول المعتمد على الله في التحصن خوفا من نتيجة فك هذا الحصار، وفي محاولة لبث الهزيمة النفسية في قلوب المسلمين والفت في عضدهم أرسل ألفونسو السادس رسالة قبيحة أخرى إلى المعتمد على الله بن عباد يقول فيها إن الذباب قد آذاني حول مدينتك، فإن أردت أن ترسل لي مروحة أروح بها عن نفسي فافعل.
يريد وبكل كبرياء وغرور أن أكثر ما يضايقه في هذا الحصار هو الذباب أو البعوض، أما أنت وجيشك وأمتك وحصونك فهي أهون عندي منه.

وبنخوة أخرى وفي رد فعل طبيعي أخذ المعتمد على الله بن عباد الرسالة وقلبها وكتب على ظهرها ردا وأرسله إلى ألفونسو السادس، لم يكن هذا الرد طويلا، إنما هو لا يكاد يتعدى السطر الواحد فقط، وما إن قرأه ألفونسو السادس حتى أخذ جيشه، وعاد من حيث أتى.

الأندلس بعد حصار أشبيلية

في سنة ثمان وسبعين وأربعمائة من الهجرة – كما ذكرنا – كانت قد سقطت طليطلة، وللملاحظة فمنذ سقوطها في ذلك التاريخ لم تعد للمسلمين حتى الآن، ثم حوصرت أشبيلية مع أنها تقع في الجنوب الغربي للأندلس وبعيدة جدا عن مملكة قشتالة النصرانية التي تقع في الشمال، وكاد المعتمد على الله بن عباد أن يحدث معه مثلما حدث مع بربشتر أو بلنسية لولا أن مَنّ الله عليه بفكرة الاستعانة أو التلويح بالاستعانة بالمرابطين.

دولة المرابطين

موضوع تفصيلى
صفحة من تاريخنا المضىء ___ دولة ___ المرابطين (حصرى )

دولة الموحدين

في سنة إحدى وأربعين وخمسمائة من الهجرة بزغ نجم دولة الموحدين، وكان أول حكامها عبد المؤمن بن عليّ صاحب محمد بن تومرت المؤسس الحقيقي والفعلي لجماعة الموحدين.
أخذ عبد المؤمن بن عليّ من محمد بن تومرت وكذلك أخذ عنه كل أتباعه أسلوب الحدة والغلظة في المعاملة، وتعلم منه التقشف والزهد في الدنيا، وحب الجهاد والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، إلا أنه كان شخصية قوية مهابة، وكان صاحب جهاد كبير وصولات وجولات، وقد استطاع أن يُقيم دولة قوية تربعت على بلاد المغرب وبلاد الأندلس وهي دولة الموحدين.
مؤسسو الموحدين.. ورهبانية ابتدعوها في وصف لشخص عبد المؤمن بن عليّ ذكر الذهبي في كتابه العبر، وابن العماد في شذرات الذهب أنه كان ملكا عادلا، سائسا، عظيم الهيبة، عالي الهمة، متين الديانة، كثير المحاسن، قليل المِثل، وكان يقرأ كل يوم سُبُعًا من القرآن العظيم، ويجتنب لبس الحرير – وهذا يعني أن لبس الحرير كان عادة وإلفا في زمانه – وكان يصوم الاثنين والخميس، ويهتم بالجهاد والنظر في الملك كأنما خُلق له. ثم بعد هذه الأوصاف نجد هذه العبارة التي تحمل كثيرا من علامات الاستفهام، وهي وكان سفّاكا لدماء من خالفه.
ومثل هذه الأوصاف ذكرها ابن كثير أيضا في البداية والنهاية، وأضاف أنه كان يعيبه كثرة سفك الدماء لمن عارضه من أتباعه أو من غير أتباعه.
وهذه بالطبع- وكما ذكرنا- هي تعاليم محمد بن تومرت.
وإضافة إلى هذا المنهج العقيم وتلك الصفة السابقة فقد كان محمد بن تومرت حين يعلم أن أتباعه ينظرون إلى الغنائم التي حصّلوها من دولة المرابطين في حربهم معهم كان يأخذها كلها فيحرقها.. وكان يعذّر بالضرب من يفوته قيام الليل من جماعته. فنشأت جماعة من الطائعين الزاهدين العابدين، لكن على غير نهج رسول الله صلى الله عليه وسلم الذي لم يكن يحرق الغنائم أو يضرب المتباطئين أو المتثاقلين عن قيام الليل، أو يتبع مثل هذا المنهج وتلك الرهبنة المتشددة، فكره كثير من الناس مثل هذا الأسلوب، لكنهم اتبعوه بحكم أنه الغالب والمتفرد الذي ليس هناك غيره.
وعلى ما يبدو فقد كانت فكرتا العصمة والمهدية التي ادعاهما محمد بن تومرت واقتنع بها أتباعه من بعده لم يكن مقتنعا بهما عبد المؤمن بن عليّ؛ لأنه أبدا ما دعى أيا منهما، ولا أيٍا من فكر الخوارج الذي كان قد اعتقد به أو ببعضه محمد بن تومرت.
وعلى الجانب الآخر فإن عبد المؤمن بن عليّ لم ينف مثل هذه الأفكار الضالة صراحة؛ وذلك لأن غالب شيوخ الموحدين كانوا على هذا الفكر وذلك الاعتقاد، فخاف إن هو أعلن أن أفكار محمد بن تومرت هذه مخالفة للشرع أن ينفرط العقد ويحدث التفكك في هذه الفترة الحرجة من دولة الموحدين.

تداعيات سقوط دولة المرابطين وقيام دولة الموحدين
متابعة للأحداث بصورة متسلسلة فقد كان لسقوط دولة المرابطين وقيام دولة الموحدين في عام واحد وأربعين وخمسمائة من الهجرة، ومقتل ما يربو على الثمانين ألف مسلم في بلاد الأندلس نتيجة الحروب بينهما – كان لهذه الأحداث العظام تداعيات خطيرة على كل بلاد المغرب العربي والأندلس، وما يهمنا هنا هو ما حدث في الأندلس، فكان ما يلي
أولا بعد قيام دولة الموحدين بعام واحد وفي سنة اثنتين وأربعين وخمسمائة من الهجرة سقطت ألمرية في أيدي النصارى، وهي تقع على ساحل البحر المتوسط في جنوب الأندلس، أي أنها بعيدة جدا عن ممالك النصارى، لكنها سقطت عن طريق البحر بمساعدة فرنسا.. وفي ألمرية استشهد آلاف من المسلمين وسبيت أربعة عشر ألف فتاة مسلمة.
ثانيا بعد ذلك أيضا بعام واحد وفي سنة ثلاث وأربعين وخمسمائة من الهجرة سقطت طرطوشة ثم لاردة في أيدي النصارى أيضا، وهما في مملكة سراقسطة التي تقع في الشمال الشرقي، والتي كان قد حررها المرابطون قبل ذلك.
ثالثا وفي نفس العام أيضا توسعت مملكة البرتغال في الجنوب، وكانت من أشد الممالك ضراوة وحربا على المسلمين.
رابعا بدأ النصارى يتخطون حدود الأندلس ويهاجمون بلاد المغرب العربي، فاحتلت تونس في ذات السنة أيضا من قِبل النصارى، وهي خارج بلاد الأندلس.
ولقد كانت مثل هذه التداعيات شيئا متوقعا نتيجة الفتنة الكبيرة والحروب التي دارت بين المسلمين في بلاد المغرب العربي.

عبد المؤمن بن عليّ وأعمال عظام في المغرب
كان عبد المؤمن بن علي – كما ذكرنا – صاحب شخصية قوية جدا وفكر سياسي عالٍ، فبدأ وبطريقة عملية منظمة وشديدة في تأسيس وبناء دولته الفتية الناشئة، فعمل على ما يلي
أولا أطلق حرية العلوم والمعارف وأنشأ الكثير من المدارس والمساجد، وكان هذا على خلاف نهج محمد بن تومرت صاحب الفكر الأوحد، فأصبح الناس يتعلمون أكثر من طريقة ومنهج وأكثر من فكر وفقه، وأصبحوا لا يرتبطون بقطب واحد كما كان العهد أيام محمد بن تومرت، لكن هذا لم يكن ليغضّ الطرف عن كون عبد المؤمن بن عليّ ذو فرديّة في نظام الحكم والإدارة، أي أنه كان – بلغة العصر – حاكما ديكتاتورا، فردي الرأي لا يأخذ بالشورى.
ثانيا عمل عبد المؤمن بن عليّ على إقران الخدمة العسكريّة بالعلوم التثقيفية، وأنشأ مدارس كثيرة لتعليم وتخريج رجال السياسة والحكم، وكان يمتحن الطلاب بنفسه، فأنشأ جيلا فريدا من قوّاد الحروب والسياسيين البارعين في دولة الموحدين، وكان يدربهم على كل فنون الحرب، حتى إنه أنشأ بحيرة صناعية كبيرة في بلاد المغرب لتعليم الناس كيف يتقاتلون في الماء، وكيف تكون الحروب البحرية، وكان أيضا يختبر المقاتلين الموحدين بنفسه.
ثالثا أقام مصانع ومخازن ضخمة وكثيرة للأسلحة، و أصبحت دولة الموحدين من أقوى الدول الموجودة في المنطقة من الناحية العسكرية.
هذا كله في بلاد المغرب العربي، ولم تكن بلاد الأندلس بعد قد دخلت في حسابات عبد المؤمن بن عليّ في ذلك الوقت؛ لأنه كان يحاول أن يستتب له الأمر أولا في بلاد المغرب العربي حيث أنصار المرابطين في كل مكان. وكان الوضع في بلاد الأندلس – كما ذكرنا – حيث سقوط أكثر من مدينة في أيدي النصارى، وأصبح التدهور هناك سريعا.

عبد المؤمن بن عليّ في الأندلس
في سنة ثلاث وأربعين وخمسمائة من الهجرة، وبعد التدهور الكبير الذي حدث في بلاد الأندلس، قدم إلى بلاد المغرب العربي القاضي ابن العربي صاحب (العواصم من القواصم) قدم من الأندلس وبايع عبد المؤمن بن علي، وطلب النجدة لأهل الأندلس.
وإن مبايعة القاضي ابن العربي لعبد المؤمن بن عليّ لتعطي إشارة واضحة إلى أن عبد المؤمن بن عليّ لم يكن ليعتقد أو يدعو إلى أفكار ضالة كما في الدعوة إلى العصمة أو المهدية أو غيرها مما كان يدين بها محمد بن تومرت وبعض من أتباعه، وإلا لم يكن للقاضي ابن العربي – وهو الذي اشتهر وعرف عنه الذبّ عن الإسلام من الضلالات والانحرافات – أن يقدم من بلاد الأندلس لمبايعته على الطاعة والنصرة.
قبِل عبد المؤمن بن عليّ الدعوة من القاضي ابن العربي، وجهزّ جيوشه وانطلق إلى بلاد الأندلس، وهناك بدأ يحارب القوات الصليبية حتى ضم معظم بلاد الأندلس الإسلامية التي كانت في أملاك المرابطين إلى دولة الموحدين، وكان ممن قاتله هناك بعض أنصار دولة المرابطين إلا أنه قاتلهم وانتصر عليهم وذلك في سنة خمس وأربعين وخمسمائة من الهجرة.
وفي سنة اثنتين وخمسين وخمسمائة من الهجرة استطاع أن يستعيد ألمريّة، وفي سنة خمس وخمسين وخمسمائة من الهجرة استعاد تونس من يد النصارى، وبعدها بقليل – ولأول مرة – استطاع أن يضم ليبيا إلى دولة الموحدين، وهي بعد لم تكن ضمن حدود دولة المرابطين.
وهو بهذا يكون قد وصل بحدود دولة الموحدين إلى ما كانت عليه أثناء دولة المرابطين إضافة إلى ليبيا، وقد اقتربت حدود دولته من مصر كثيرا، وكان يفكر في أن يوحّد كل أطراف الدولة الاسلامية تحت راية واحدة تكون لدولة الموحدين.

يوسف بن عبد المؤمن بن عليّ وحكم الموحدين
في عام ثمانية وخمسين وخمسمائة من الهجرة يتوفي عبد المؤمن بن عليّ، ثم يخلفه على الحكم ابنه يوسف بن عبد المؤمن بن عليّ، وكان يبلغ من العمر اثنين وعشرين عاما، وقد كان مجاهدا شهما كريما إلا أنه لم يكن في كفاءة أبيه القتالية.
ظل يوسف بن عبد المؤمن بن عليّ يحكم دولة الموحدين الفتية اثنين وعشرين عاما متصلة، منذ سنة ثمان وخمسين وخمسمائة وحتى سنة ثمانين وخمسمائة من الهجرة، وقد نظم الأمور وأحكمها في كل بلاد الأندلس وبلاد المغرب العربي، وكانت له أعمال جهادية ضخمة ضد النصارى، لكنه كان يعيبه شيء خطير وهو أنه كان متفرد الرأي لا يأخذ بالشورى، وهذا – بالطبع – كان من تعليم وتربية أبيه عبد المؤمن بن علي صاحب محمد بن تومرت كما ذكرنا.
كان لانفراد يوسف بن عبد المؤمن بن عليّ بالرأي سببا قويا في حدوث أخطاء كثيرة في دولته، كان آخرها ما حدث في موقعة له مع النصارى حول قلعة من قلاع البرتغال كان يقاتل فيها بنفسه، فقد قتل فيها ستة من النصارى، ثم طُعن بعد ذلك واستشهد رحمه الله في هذه الموقعة في سنة ثمانين وخمسمائة من الهجرة.

أبو يوسف يعقوب المنصور الموحدي والعصر الذهبي لدولة الموحدين
بعد وفاة يوسف بن عبد المؤمن بن عليّ تولى من بعده ابنه يعقوب بن يوسف بن عبد المؤمن بن عليّ، وقد لُقب في التاريخ بالمنصور، وكان له ابن يُدعى يوسف فعُرف بأبي يوسف يعقوب المنصور الموحدي.
تولى أبو يوسف يعقوب المنصور الموحدي حكم دولة الموحدين خمس عشرة سنة متصلة، من سنة ثمانين وخمسمائة وحتى سنة خمسة وتسعين وخمسمائة من الهجرة، وكان أقوى شخصيه في تاريخ دولة الموحدين، ومن أعظم الشخصيات في تاريخ المسلمين بصفة عامة، وقد عُدّ عصره في دولة الموحدين بالعصر الذهبي.

المنصور الموحدي وبلاد الأندلس
إضافة إلى أعماله السابقة في دولة الموحدين بصفة عامة، فقد وطد أبو يوسف يعقوب المنصور الموحدي الأوضاع كثيرا في بلاد الأندلس، وقوى الثغور هناك، وكان يقاتل فيها بنفسه، وقد كانت أشد الممالك ضراوة عليه مملكة البرتغال ثم من بعدها مملكة قشتالة. وقد كان له في الأندلس ما يلي

أولا القضاء على ثورات بني غانية
في سنة خمسة وثمانين وخمسمائة من الهجرة وفي جزر البليار من بلاد الأندلس قامت قبيلة بني غانية من أتباع المرابطين بثورة عارمة على الموحدين، وقد كان لهذه القبيلة ثورات من قبل على عبد المؤمن بن عليّ وابنه يوسف بن علي أيضا من بعده، فقاموا بثورة في جزر البليار وأخرى في تونس.
ما كان من أبي يوسف يعقوب المنصور إلا أن عاد من داخل بلاد الأندلس إلى جزر البليار فقمع ثورة بني غانية هناك، ثم رجع إلى تونس فقمع أيضا ثورتهم، وكان من جراء ذلك أن ضعفت كثيرا قوة الموحدين في الأندلس.
استغل ملك البرتغال انشغال أبي يوسف يعقوب المنصور بالقضاء على هذه الثورات واستغل الضعف الذي كان نتيجة طبيعية لذلك، واستعان بجيوش ألمانيا وإنجلترا البرية والبحرية، ثم حاصر أحد مدن المسلمين هناك واستطاع أن يحتلها ويخرج المسلمين منها، وقد فعل فيها من الموبقات ما فعل، ثم استطاع أن يواصل تقدمه إلى غرب مدينة أشبيليّة في جنوب الأندلس. وهنا يكون الوضع قد أضحى في غاية الخطورة.
وحول ثورات بني غانية. فقد كان مقبولا منهم أن يقوموا بثورات على السابقين من حكام الموحدين قبل أبي يوسف يعقوب المنصور بحجة أفكارهم الضالة التي خرجت عن منهج الله سبحانه وتعالى، لكن السؤال هو لماذا الثورة على هذا الرجل الذي أعاد للشرع هيبته من جديد، والذي أقام الإسلام كما ينبغي أن يقام، والذي أعاد القرآن والسنة إلى مكانهما الصحيح؟!
كان من الواجب على بني غانية أن يضعوا أيديهم في يد أبي يوسف يعقوب المنصور الموحدي رحمه الله ويضموا قوتهم إلى قوته ليحاربوا العدو الرئيس الرابض والمتربص لهم، والمتمثل في دول الشمال الأندلسي، سواء أكانت دول قشتالة أو البرتغال أو الممالك الأخرى، لكن هذا لم يحدث، فأدت هذه الثورات الداخلية إلى ضعف قوة الموحدين في بلاد الأندلس، وإلى هذا الانهيار المتدرج في هذه المنطقة.

ثانيا المواجهات مع النصارى واستعادة السيطرة
بعد القضاء على ثورات بني غانية أخذ أبو يوسف يعقوب المنصور الموحدي يفكر في كيفية إعادة الوضع إلى ما كان عليه، ووقف أطماع النصارى في بلاد الأندلس.
علم أولا أن أشد قوتين عليه هما قوة قشتالة وقوة البرتغال، لكنه رأى أن قوة البرتغال أشد وأعنف من سابقتها، فقام بعقد اتفاقيه مع قشتالة عاهدهم فيها على الهدنة وعدم القتال مدة عشر سنوات.
اتجه أبو يوسف يعقوب المنصور بعد ذلك إلى منطقة البرتغال، وهناك حاربهم حروبا شديدة وانتصر عليهم في أكثر من مرة، واستطاع أن يحرر المنطقة بكاملها ويسترد إلى أملاك المسلمين من جديد ما كان قد فقد هناك.
وقبل أن يكتمل له تحرير تلك المنطقة نقض ملك قشتاله العهد الذي كان قد أبرمه معه، وعليه فقد بدأ يعيث تهجما وفسادا على أراضي المسلمين، ثم بعث ألفونسو الثامن- ملك قشتالة في ذلك الوقت، وهو من أحفاد ألفونسو السادس الذي هُزم في موقعة الزلاّقة الشهيرة – بعث برسالة إلى أبي يوسف يعقوب المنصور الموحدي يهين فيها المسلمين ويهدده ويتوعده.
ما كان من المنصور الموحدي إلا أن مزق خطاب ألفونسو الثامن، ثم على جزء منه وقد أرسله مع رسولهم كتب [ارْجِعْ إِلَيْهِمْ فَلَنَأْتِيَنَّهُمْ بِجُنُودٍ لَا قِبَلَ لَهُمْ بِهَا وَلَنُخْرِجَنَّهُمْ مِنْهَا أَذِلَّةً وَهُمْ صَاغِرُونَ] {النمل37} . وعلى الفور أعلن الجهاد والاستنفار العام في كل ربوع المغرب والصحراء، وقد نشر ما جاء في كتاب ألفونسو الثامن ليحمس الناس ويزيد من تشويقهم للجهاد.
قبل هذا الوقت بسنوات قلائل كان المسلمون في كل مكان يعيشون نشوة النصر الكبير الذي حققه صلاح الدين الأيوبي على الصليبيين في موقعة حطين الخالدة في سنة ثلاث وثمانين وخمسمائة من الهجرة، أي قبل هذه الأحداث بسبع سنوات فقط، } .
بدأ هذا الاستنفار في سنة تسعين وخمسمائة من الهجرة، وبعدها بعام واحد وفي سنة إحدى وتسعين وخمسمائة انطلقت الجيوش الإسلامية من المغرب العربي والصحراء وعبرت مضيق جبل طارق إلى بلاد الأندلس لتلتقي مع قوات الصليبيين الرابضة هناك في موقعة ما برح التاريخ يذكرها ويجلها.


موقعة الأرك الخالدة
في التاسع من شهر شعبان لسنة إحدى وتسعين وخمسمائة من الهجرة وعند حصن كبير يقع في جنوب طليطلة على الحدود بين قشتالة ودولة الأندلس في ذلك الوقت يسمى حصن الأرك التقت الجيوش الإسلامية مع جيوش النصارى هناك.

أعد الفونسو الثامن جيشه بعد أن استعان بمملكتي ليون ونافار، وبجيوش ألمانيا وإنجلترا وهولندا.. في قوة يبلغ قوامها خمسة وعشرين ألفا ومائتي ألف نصراني، وقد أحضروا معهم بعض جماعات اليهود لشراء أسرى المسلمين بعد انتهاء المعركة لصالحهم، ليبيعونهم بعد ذلك بدورهم في أوروبا.
وعلى الجانب الآخر فقد أعد أبو يوسف يعقوب المنصور الموحدي جيشا كبيرا، بلغ قوامه مائتي ألف مسلم من جراء تلك الحمية التي كانت في قلوب أهل المغرب العربي وأهل الأندلس على السواء.

البدايات وأمور جديدة على الموحدين
في منطقة الأرك وفي أول عمل له عقد أبو يوسف يعقوب المنصور الموحدي مجلسا استشاريا يستوضح فيه الآراء والخطط المقترحة في هذا الشأن، وقد كان هذا على غير نسق كل القادة الموحدين السابقين له والذين غلب عليهم التفرد في الرأي، فنهج منهج رسول الله صلى الله عليه وسلم في ذلك الأمر.
وفي هذا المجلس الاستشاري استرشد أبو يوسف يعقوب المنصور بكل الآراء، حتى إنه استعان برأي أبي عبد الله بن صناديد في وضع خطة الحرب، وهو زعيم الأندلسيين وليس من قبائل المغرب البربرية، وهذا أيضا كان أمرا جديدا على دولة الموحدين التي كانت تعتمد فقط على جيوش المغرب العربي، فضم أبو يوسف يعقوب المنصور قوة الأندلسيين إلى قوة المغاربة وقوة البربر القادمين من الصحراء.

الاستعداد ووضع الخطط
في خُطة شبيهة جدا بخطة موقعة الزلاقة قسم أبو يوسف يعقوب المنصور الجيش إلى نصفين، فجعل جزءا في المقدمة وأخفى الآخر خلف التلال كان هو على رأسه، ثم اختار أميرا عاما للجيش هو كبير وزرائه أبو يحيى بن أبي حفص، وقد ولى قيادة الأندلسيين لأبي عبد الله بن صناديد؛ وذلك حتى لا يوغر صدور الأندلسيين وتضعف حماستهم حين يتولى عليهم مغربي أو بربري.
وإتماما لهذه الخطة فقد جعل الجزء الأول من الجيش النظامي الموحدي ومن الأندلسيين، وقد قسمه إلى ميمنه من الأندلسيين وقلب من الموحدين وميسرة من العرب، ثم جعل من خلفهم مجموعة المتطوعين غير النظاميين، الذين ليست لهم كفاءة عالية في القتال.
وهو يريد بذلك أن تتلقى الجيوش النظامية التي في المقدمة الصدمة والضربة الأولى من قوات الصليبيين فيصدونهم صدا يليق بتدريباتهم؛ مما يوقع الرهبة في قلوب الصليبيين ويرفع من معنويات الجيش الإسلامي، أما المتطوعين غير النظاميين الذين ليست لهم كفاءة عالية في القتال فوضعهم من وراء المقدمة حتى لا يُكسروا أول الأمر، ومكث هو – كما ذكرنا – في المجموعة الأخيرة خلف التلال.
راح بعد ذلك أبو يوسف يعقوب المنصور يوزع الخطباء على أطراف الجيش يحمسونه على الجهاد، وعند اكتمال الحشد وانتهاء الاستعداد للقتال أرسل الأمير الموحدي رسالة إلى كل المسلمين يقول فيها إن الأمير يقول لكم اغفروا له فإن هذا موضع غفران، وتغافروا فيما بينكم، وطيبوا نفوسكم، وأخلصوا لله نياتكم. فبكى الناس جميعهم، وأعظموا ما سمعوه من أميرهم المؤمن المخلص، وعلموا أنه موقف وداع، وفي موقف مهيب التقى المسلمون مع بعضهم البعض وعانقوا بعضهم بعضا، وقد ودّعوا الدنيا وأقبلوا على الآخرة.

اللقاء المرتقب
في تلك الموقعة كان موقع النصارى في أعلى تل كبير، وكان على المسلمين أن يقاتلوا من أسفل ذلك التل، لكن ذلك لم يرد المسلمين عن القتال.
وقد بدأ اللقاء ونزل القشتاليون كالسيل الجارف المندفع من أقصى ارتفاع، فهبطوا من مراكزهم كالليل الدامس وكالبحر الزاخر، أسرابا تتلوها أسراب، وأفواجا تعقبها أفواج، وكانت الصدمة كبيرة جدا على المسلمين، فقد وقع منهم الكثير في تعداد الشهداء، ثم ثبتوا بعض الشيء ثم تراجعوا، وحين رأى المنصور ذلك نزل بنفسه ودون جيشه، وفي شجاعة نادرة قام يمر على كل الفرق مناديا بأعلى صوته في كل الصفوف جددوا نياتكم وأحضروا قلوبكم. ثم عاد رحمه الله إلى مكانه من جديد.
استطاع المسلمون بعدها أن يردوا النصارى في هذا الهجوم، ثم ما لبث النصارى أن قاموا بهجوم آخر، وكان كسابقه، انكسار للمسلمين ثم ثبات من جديد وردّ للهجوم للمرة الثانية، ثم كان الهجوم الثالث للنصارى وكان شرسا ومركزا على القلب من الموحدين، فسقط آلاف من المسلمين شهداء، واستشهد القائد العام للجيش أبو يحيى بن أبي حفص.
وهنا ظن النصارى أن الدائرة قد دارت على المسلمين وأن المعركة قد باتت لصالحهم، فنزل ملك قشتالة إلى الموقعة يحوطه عشرة آلاف فارس، عندئذ كانت قد تحركت ميمنة المسلمين من الأندلسيين وهجمت على قلب الجيش القشتالي مستغلة ضعفه في تقدم الفرسان القشتاليين نحو الموحدين في القلب، وهجمت بشدة على النصارى ، واستطاعت حصار العشرة آلاف الذين يحوطون ألفونسو الثامن.
حدث لذلك اضطراب كبير داخل صفوف الجيش القشتالي، واستمرت الموقعة طويلا، وقد ارتفعت ألسنة الغبار الكثيف، وأصبح لا يسمع إلا صوت الحديد وقرع الطبول وصيحات التكبير من جيش المؤمنين، وبدأت الدائرة تدريجيا تدور على النصارى، فالتفوا حول ملكهم وقد تزعزت قلوبهم.
وهنا وحين رأى ذلك أبو يوسف يعقوب المنصور الموحدي أمر جيشه الكامن خلف التلال بالتحرك، وقد انطلق معهم وفي مقدمة جيشه علم دولة الموحدين الأبيض، وقد نقش عليه لا إله إلا الله، محمد رسول الله، لا غالب إلا الله.
ارتفعت بذلك معنويات الجيش الإسلامي كثيرا، وقد أسلم النصارى رقابهم لسيوف المسلمين فأعملوها فيهم قتلا وتشريدا، وانتصر المسلمون انتصارا باهرا في ذلك اليوم الموافق التاسع من شهر شعبان لسنة إحدى وتسعين وخمسمائة من الهجرة، وأصبح يوم الأرك من أيام الإسلام المشهودة، قالوا عنه مثل الزلاقة، وقالوا عنه بل فاق الزلاقة.
وقد هرب ألفونسو الثامن في فرقة من جنوده إلى طليطلة، وطارت أخبار النصر في كل مكان، ودوت أخبار ذلك الانتصار العظيم على منابر المسلمين في أطراف دولة الموحدين الشاسعة، بل وصلت هذه الأخبار إلى المشرق الاسلامي، وكانت سعادة لا توصف.

نتائج انتصار الأرك

أولا الهزيمة الساحقة لقوات النصارى
كان من أهم آثار انتصار الأرك تبدد جيش النصارى بين القتل والأسر، فقد قتل منهم في اليوم الأول فقط – على أقل تقدير – ثلاثون ألفا، وقد جاء في نفح الطيب للمقرّي، وفي وفيات الأعيان لابن خلّكان أن عدد قتلى النصارى وصل إلى ستة وأربعين ألف ومائة ألف قتيل من أصل خمسة وعشرين ألفا ومائتي ألف مقاتل، وكان عدد الأسرى بين عشرين وثلاثين ألف أسير، وقد منّ عليهم المنصور بغير فداء؛ إظهارا لعظمة الإسلام ورأفته بهم، و عدم اكتراثه بقوة النصارى.
ثانيا النصر المادي
رغم الكسب المادي الكبير جدا، إلا أنه كان أقل النتائج المترتبة على انتصار المسلمين في موقعة الأرك، فقد حصد المسلمون من الغنائم ما لا يحصى، وقد بلغت – كما جاء في نفح الطيب – ثمانين ألفا من الخيول، ومائة ألف من البغال، وما لا يحصى من الخيام.
وقد وزع المنصور رحمه الله هذه الأموال الضخمة وهذه الغنائم كما كان يفعل رسول الله صلى الله عليه وسلم فوزع على الجيش أربعة أخماسها، واستغل الخمس الباقي في بناء مسجد جامع كبير في أشبيلية؛ تخليدا لذكرى الأرك، وقد أنشأ له مئذنة سامقة يبلغ طولها مائتي متر، وكانت من أعظم المآذن في الأندلس في ذلك الوقت، إلا أنها – وسبحان الله – حين سقطت أشبيليّه بعد ذلك في أيدي النصارى تحولت هذه المئذنة والتي كانت رمزا للسيادة الإسلامية إلى برج نواقيس للكنيسة التي حلت مكان المسجد الجامع، وهي موجودة إلى الآن، ولا حول ولا قوة إلا بالله.
ثالثا النصر المعنوي
كان من نتائج موقعة الأرك أيضا ذلك النصر المعنوي الكبير الذي ملأ قلوب المسلمين في مشارق الأرض ومغاربها، فقد ارتفع نجم دولة الموحدين كثيرا، وارتفعت معنويات الأندلسيين وهانت عليهم قوة النصارى، وارتفعت أيضا معنويات المسلمين في كل بلاد العالم الإسلامي حتى راحوا يعتقون الرقاب ويخرجون الصدقات فرحا بهذا الانتصار.
وكان من جراء ذلك أيضا أن استمرت حركة الفتوح الإسلامية، واستطاع المسلمون فتح بعض الحصون الأخرى، وضموا الشمال الشرقي من جديد إلى أملاك المسلمين كما كان في عهد المرابطين، وحاصروا طليطلة سنوات عديدة إلا أنها – كما ذكرنا من قبل – كانت من أحصن المدن الأندلسية فلم يستطيعوا فتحها.
وارتفعت معنويات الموحدين كثيرا حتى فكروا بجدية في ضم كل بلاد المسلمين تحت راية واحدة، خاصة وأن المعاصر لأبي يوسف يعقوب المنصور في المشرق هو صلاح الدين الأيوبي رحمه الله، لكن لم يرد الله سبحانه وتعالى لهذا الأمر أن يتم، حيث وافت أبا يوسف يعقوب المنصور الموحدي المنية قبل أن يكتمل حلمه هذا.
رابعا صراعات شتى بين ممالك النصارى
نتيجة لموقعة الأرك أيضا حدثت صراعات شتى بين ليون ونافار من ناحية وبين قشتالة من ناحية أخرى.. فقد ألقى عليهم ألفونسو الثامن (ملك قشتالة) مسؤلية الهزيمة، وكان من نتائج ذلك أيضا أن وقعت لهم الهزيمة النفسية. وترتب على هذا أيضا أن أتت السفارات من بلاد أوروبا تطلب العهد والمصالحة مع المنصور الموحدي رحمه الله والتي كان من أشهرها سفارة إنجلترا، تلك التي جاءت المنصور الموحدي في أواخر أيامه.
خامسا معاهدة جديدة بين قشتالة والمسلمين
أيضا كان من نتائج موقعة الأرك أن تمت معاهدة جديدة بين قشتالة و المسلمين على الهدنة ووقف القتال مدة عشر سنوات، بداية من سنة خمس وتسعين وخمسمائة وحتى سنة خمس وستمائة من الهجرة، أراد المنصور أن يرتب فيها الأمور من جديد في بلاد الموحدين.

وفاة المنصور الموحدي وبداية عهد ينذر بالنهاية
في نفس العام الذي تمت فيه الهدنة بين قشتالة وبين المسلمين، وفي سنة خمس وتسعين وخمسمائة من الهجرة يلقى المنصور الموحدي ربه عن عمر لم يتعدى الأربعين سنة، تم له فيه حكم دولة الموحدين خمس عشرة سنة، منذ سنة ثمانين وخمسمائة وحتى وفاته في سنة خمس وتسعين وخمسمائة من الهجرة.
ومن بعده يتولى ابنه الناصر لدين الله أبو محمد عبد الله، وعمره آنذاك ثمان عشرة سنة فقط، ورغم أن صغر السن ليس به ما يشوبه في ولاية الحكم، خاصة وقد رأينا من ذلك الكثير، إلا أن الناصر لدين الله لم يكن على شاكلة أبيه في أمور القيادة.
كان المنصور الموحدي قد استخلف ابنه الناصر لدين الله قبل وفاته على أمل أن يمد الله في عمره فيستطيع الناصر لدين الله أن يكتسب من الخبرات ما يؤهله لأن يصبح بعد ذلك قائدا فذا على شاكلة أبيه، لكن الموت المفاجئ للمنصور الموحدي عن عمر لم يتجاوز الأربعين عاما بعد كان أن وضع الناصر لدين الله على رئاسة البلاد، وهو لم يتجاوز الثامنة عشرة من عمره. وقد كان من الواجب على الموحدين أن ينتخبوا من بينهم ومن حين الوفاة من يصلح للقيادة بدلا منه.

الناصر لدين الله وعقبات في الطريق
كان الناصر لدين الله شابا طموحا قويا مجاهدا لكنه لم يكن في كفاءة أبيه، وفضلا عن هذا فقد كانت البلاد محاطة بالأعداء من كل جانب، و النصارى بعد لم ينسوا هزيمتهم في موقعة الأرك التي كانت قبل سنوات قلائل، ويريدون أن يعيدوا الكرة من جديد على بلاد المسلمين، وفوق ذلك فبعد وفاة المنصور الموحدي قامت من جديد ثورات بني غانية المؤيدة لدولة المرابطين السابقة.
وقطعا – كما ذكرنا قبل ذلك – ما كان يجوز لبني غانية أن يثوروا وينقلبوا على الناصر لدين الله، إلا إن ذلك هو عين ما حدث، فبدأت الخلخلة والاضطرابات تتزايد داخل الدولة الاسلاميّة الكبيرة.
وفي سبيل استعادة الوضع إلى ما كان عليه وجّه الناصر لدين الله جلّ طاقته للقضاء على ثورات بني غانية داخل دولة الموحدين، فخاض معهم معارك وحروب كثيرة، حتى استطاع نهاية الأمر إخمادها تماما، وذلك في سنة أربع وستمائة من الهجرة، أي أنها استمرت تسع سنوات كاملة منذ بداية حكمه وحتى ذلك التاريخ.

ألفونسو الثامن واستغلال الوضع الراهن

في هذه الأثناء التي كان يسعى فيها الناصر لدين الله للقضاء على ثورات بني غانية، كان قد تجدد الأمل عند ألفونسو الثامن، فعمل على تجهيز العدة لرد الاعتبار، وأقسم على ألا يقرب النساء ولا يركب فرسا ولا بغلا، وأن ينكس الصليب حتى يأخذ بثأره من المسلمين، فأخذ يعد العدة ويجهز الجيوش ويعقد الأحلاف ويعد الحصون تمهيدا لحرب جديدة معهم.

وقبل انتهاء الهدنة ومخالفة للمعاهدة التي كان قد عقدها مع المنصور الموحدي قبل موته هجم ألفونسو الثامن على بلاد المسلمين، فنهب القرى وأحرق الزروع، وقتل العزّل من المسلمين، وكانت هذه بداية حرب جديدة ضد المسلمين.

دولة الموحدين وعيوب خطيرة في مواجهة النصارى
إضافة إلى ضعف كفاءة القيادة في دولة الموحدين المتمثلة في الناصر لدين الله، والتي لم تكن بكفاءة السابقين، فقد كان ثمة عيب خطير آخر في القيادة كان متأصلا في أجداده من قبله، وهو اعتداد الناصر لدين الله برأيه ومخالفته أمر الشورى، ذلك العيب الذي تفاداه أبوه من قبله، فأفلح وساد وتمكن ونصره الله سبحانه وتعالى، وفوق هذا وذاك فكان المسلمون قد أنهكوا في رد الثورات المتتالية لبني غانية داخل دولة الموحدين.
وزاد من ذلك أمر آخر كان في غاية الخطورة، وهو أن الناصر لدين الله كان قد استعان ببطانة سوء ووزير ذميم الخلُق يدعى أبا سعيد بن جامع، والذي شكّ كثير من المؤرخين في نواياه، وشك كثير من الأندلسيين والمغاربة المعاصريين له في اقتراحاته.
ورغم أن هذا الوزير كان من أصل أسباني فإن كثيرا من الناس قالوا بأنه كان على اتصالات مع النصارى، والتي أدّت بعد ذلك إلى أمور خطيرة جدا في دولة الموحدين، ومع كل هذا فقد كان هو الرجل الوحيد الذي يأمن له الناصر لدين الله ويستعين بآرائه، ضاربا عرض الحائط كل آراء أشياخ الموحدين وقادة الأندلسيين في ذلك الوقت.

النصارى والتعبئة العامة

على الجانب الآخر من أحداث دولة الموحدين فقد كانت هناك تعبئة روحية عالية في جيش النصارى يقودها البابا في روما بنفسه، وقد أعلنوها حربا صليبية وراحوا يضفون عليها ألوانا من القداسة، وقد رفعوا صور المسيح، وصرح البابا بأن من يشارك في هذه الحرب سيمنح صكوك الغفران، تماما كما حدث في موقعة الزلاّقة.

أتبع ذلك استنفار عام في كل أنحاء أوروبا، اشتركت فيه معظم الدول الأوروبية حتى وصل إلى القسطنطينية في شرق أوروبا وبعيدا جدا عن بلاد الأندلس، وقد تولت فرنسا مهمة الإنفاق على الجيوش بالإضافة إلى إمداد الجيش القشتالي بالرجال، وكانت فرنسا يهمها كثيرا هزيمة المسلمين لكونها البلاد التالية لبلاد الأندلس، فإن قامت لدولة الموحدين دولة قوية فحتما ستكون الدائرة عليها في المرحلة التالية.
وقد زاد الأمر تعقيدا إرسال البابا رسالة إلى مملكة نافار – وكانت قد وقعت معاهدة مع المنصور الموحدي قبل وفاته – يحضها فيها على نبذ المعاهدة التي مع الموحدين، وعلى استعادة العلاقة مع القشتاليين، وكان القشتاليون – كما ذكرنا – قد اختلفوا مع مملكة ليون ونافار بعد هزيمة الأرك، لكن البابا الآن يريد منهم التوحد في مواجهة الصف المسلم، فخاطبه بنقض عهده مع المسلمين ومحالفة ملك قشتالة، فما كان من ملك نافار إلا أن أبدى السمع والطاعة.
تكون دول أوروبا بذلك قد توحدت، وبلغ عدد جيوشها مائتي ألف نصراني يتقدمهم الملوك والرهبان نحو موقعة فصل بينهم وبين المسلمين.

جيش الموحدين وطريقه نحو العقاب
في مقابل جيوش النصارى تلك كان الناصر لدين الله قد أعلن الجهاد وجمع المجاهدين من بلاد المغرب العربي والأندلس في عدد قد بلغ خمسمائة ألف مقاتل، أي أنه أكثر من ضعف جيوش النصارى مجتمعة، كانت أقل الروايات قد ذكرت أن عدد المسلمين قد بلغ ستين ألفا ومائتي ألف، وكانت هي نفسها التي ذكرت أن عدد النصارى لم يتجاوز ستين ألفا ومائة ألف، فكان جيش المسلمين في كل الأحيان يزيد على جيش النصارى أكثر من مرة ونصف أو مرتين على الأقل.
انطلق الناصر لدين الله بجيشه من بلاد المغرب وعبر مضيق جبل طارق، ثم توجّه إلى منطقة عُرفت باسم العِقَاب – وذلك لوجود قصر قديم كان يحمل هذا الاسم في تلك المنطقة -وهي تلك المنطقة التي دارت فيها الموقعة، وقد كانتوسبحان الله – اسما على مسمى، فكانت بحق عقابا للمسلمين على مخالفات كثيرة، ظهر بعضها سابقا وسيظهر الباقي تباعا.
دخل الناصر لدين الله أرض الأندلس بهذا العدد الكثيف من المسلمين، وفي أول عمل له حاصر قلعة سَالْبَطْرَة، وكانت قلعة كبيرة وحصينة جدا وبها عدد قليل من النصارى، وكانت تقع في الجبل جنوب طليطلة، لكن حصانة القلعة أعجز المسلمين عن فتحها، وكان أن اجتمع قادة الأندلسيين وقادة الموحدين وأشاروا على الناصر لدين الله بأن يترك حامية عليها ثم يدعها ويتجه إلى جيش النصارى في الشمال؛ وذلك خوفا من إنهاك قوتهم فيما لا طائل من ورائه، لكن الناصر لدين الله رفض هذا الأمر واستمع لرأي وزيره الذي رأى أنه لا يجب أن تُجوّز هذه القلعة، فظل يحاصرها طيلة ثمانية أشهر كاملة.

نتائج الاستبداد وملامح الهزيمة
كان من جراء هذا العمل الذي قام به الناصر لدين الله أن حدث ما يلي
أولا إضاعة ثمانية أشهر كان من الممكن أن يستغلها في الشمال، والانتصار على النصارى هناك قبل أن يتجمعوا في كامل عدتهم.
ثانيا أكمل النصارى استعداداتهم خلال هذه الفترة الطويلة، واستطاعوا أن يستجلبوا أعدادا أخرى كثيرة من أوروبا.
ثالثا هلك الآلاف من المسلمين في صقيع جبال الأندلس في ذلك الوقت، حيث كان الناصر لدين الله قد دخل بلاد الأندلس في شهر مايو وكان مناسبا جدا للقتال، إلا أنه ظل يحاصر سَالْبَطْرَة حتى قدم الشتاء القارس وبدأ المسلمون يهلكون من شدة البرد وشدة الإنهاك في هذا الحصار الطويل.

أبو الحجاج يوسف بن قادس والتحيز إلى فئة المؤمنين
في بداية لحرب فاصلة قُسّم الجيش النصرانى القادم من الشمال إلى ثلاثة جيوش كبيرة، فالجيش الأول هو الجيش الأوروبي، والجيش الثاني هو جيش إمارة أراجون، والجيش الثالث هو جيش قشتالة والبرتغال وليون ونافار، وهو أضخم الجيوش جميعها.
قامت هذه الجيوش الثلاث بحصار قلعة رباح، وهي قلعة إسلامية كان قد تملكها المسلمون بعد موقعة الأرك، وكان على رأسها القائد البارع الأندلسي الشهير أبو الحجاج يوسف بن قادس رحمه الله وهو من أشهر قواد الأندلس في تاريخها.
حوصرت قلعة رباح حصارا طويلا من قبل الجيوش النصرانية، وقد طال أمد الحصار حتى أدرك أبو الحجاج يوسف بن قادس أنه لن يفلت منه، كما بدأت بعض الحوائط في هذه القلعة تتهاوى أمام جيش مملكة أراجون.
أراد أبو الحجاج يوسف بن قادس أن يحقق الأمن والأمان لجيشه، وأراد أن يتحيز إلى فئة المؤمنين وينضم إلى جيش المسلمين، فعرض على النصارى معاهدة تقضي بأن يترك لهم القلعة بكامل المؤن وكامل السلاح على أن يخرج هو ومن معه من المسلمين سالمين ليتجهوا جنوبا فيلتقوا بجيش الموحدين هناك ودون مؤن أو سلاح.
وافق ألفونسو الثامن على هذا العرض، وبدأ بالفعل انسحاب أبي الحجاج يوسف بن قادس من الحصن ومن معه من المسلمين، وقد اتجهوا إلى جيش الناصر لدين الله.
ولأن الوليمة ليست قصرا على ألفونسو الثامن، فقد اعترض على هذا الانسحاب جيش النصارى الأوروبي المتحد مع جيش قشتالة.. فقد كانوا يرون أنهم ما أتوا من أبعد بلاد أوروبا ومن إنجلترا وفرنسا والقسطنطينية إلا لقتل المسلمين؛ فلا يجب أبدا أن يتركوا ليخرجوا سالمين.
وقد فعل ألفونسو الثامن ذلك حتى إذا حاصر مدينة أخرى من مدن المسلمين فيفتحون له كما فعل سابقوهم؛ لأنه لو قاتلهم بعد العهد الذي أبرمه معهم فلن يفتح له المسلمون بعد ذلك مدنهم، فاختلف الأوروبيون مع ألفونسو الثامن، وعليه فقد انسحبوا من الموقعة.
وبذلك يكون قد انسحب من موقعة العقاب وقبل خوضها مباشرة خمسون ألفا من النصارى، وبالطبع فقد كان هذا نصرا معنويا وماديا كبيرا للمسلمين، وهزيمة نفسية وهزة كبيرة في جيش النصارى، وقد أصبح جيش المسلمين بعد هذا الانسحاب أضعاف جيش النصارى.
حين عاد أبو الحجاج يوسف بن قادس إلى الناصر لدين الله، وعندما علم منه أنه قد ترك قلعة رباح وسلمها بالمؤن والسلاح إلى النصارى، أشار عليه الوزير السوء أبو سعيد بن جامع بقتله بتهمة التقاعس عن حماية القلعة.
لم يتردد الناصر لدين الله، وفي ميدان موقعة العقاب يمسك بالقائد المجاهد أبي الحجاج يوسف بن قادس ثم يقتله.

وإن هذا – وبلا شك – ليعد خطأ كبيرا من الناصر لدين الله، وعملا غير مبرر، ويضاف إلى جملة أخطائه السابقة.

خطة الناصر لدين الله ومتابعة الأخطاء
تكملة للأخطاء السابقة فقد وضع الناصر لدين الله خطة شاذة في ترتيب جيشه وتقسيمه، حيث لم يسِر فيه على نهج السابقين، ولم يقرأ التاريخ كما قرأه المنصور الموحدي ويوسف بن تاشفين.. فقد قسم جيشه إلى فرقة أمامية وفرقه خلفيه، لكنه جعل الفرقة الأمامية من المتطوعين وعددهم ستين ألفا ومائة ألف متطوع، وضعهم في مقدمة الجيش ومن خلفهم الجيش النظامي الموحدي.

وإنْ كان هؤلاء المتطوعة الذين في المقدمة متحمسين للقتال بصورة كبيرة، فإنهم ليست لهم الخبرة والدراية بالقتال كما هو الحال بالنسبة لتلك الفرقة المنتخبة من أجود مقاتلي النصارى، والتي هي في مقدمة جيشهم.
فكان من المفترض أن يضع الناصر لدين الله في مقدمة الجيش القادرين على صد الهجمة الأولى للنصارى؛ وذلك حتى يتملك الخطوات الأولى في الموقعة، ويرفع بذلك من معنويات المسلمين ويحط من معنويات النصارى، لكن العكس هو الذي حدث حيث وضع المتطوعه في المقدمة.
ولقد زاد من ذلك أيضا فجعل الأندلسيين في ميمنة الجيش، وما زال الألم والحرقة تكمن في قلوبهم من جراء قتل قائدهم الأندلسي المجاهد المغوار أبي الحجاج يوسف بن قادس، فكان خطأ كبيرا أيضا أن جعلهم يتلقون الصدمة الأولى من النصارى.
فنستطيع الآن حصر أخطاء الناصر لدين الله وهو في طريقه نحو العقاب على النحو التالي
أولا حصار قلعة سَالْبَطْرَة طيلة ثمانية أشهر كاملة.
ثانيا الاستعانة ببطانة السوء الممثلة في الوزير السوء أبي سعيد بن جامع.
ثالثا قتل القائد الأندلسي المشهور أبي الحجاج يوسف بن قادس.
رابعا تنظيم الجيش وتقسيمه الخاطئ في أرض الموقعة.
خامسا أمر في غاية الخطورة وهو الاعتقاد في قوة العدد والعدة، فقد دخل الناصر لدين الله الموقعة وهو يعتقد أنه لا محالة منتصر؛ فجيشه أضعاف الجيش المقابل.

العقاب.. والعقاب المر
تماما وكما تكررت حُنين في أرض الأندلس قبل ذلك في بلاط الشهداء، وفي موقعة الخندق مع عبد الرحمن الناصر وهو في أعظم قوته، تتكرر حُنين أيضا مع الناصر لدين الله في موقعة العقاب وهو في أعظم قوة للموحدين، وفي أكبر جيش للموحدين على الإطلاق، بل وفي أكبر جيوش المسلمين في بلاد الأندلس منذ أن فتحت في سنة اثنتين وتسعين من الهجرة.
لتوالي الأخطاء السابقة كان طبيعيا جدا أن تحدث الهزيمة، فقد هجم المتطوعون من المسلمين على مقدمة النصارى، لكنهم ارتطموا ارتطاما شديدا بقلب قشتالة المدرّب على القتال، فصدوهم بكل قوة ومزّقوا مقدمة المسلمين وقتلوا منهم الآلاف في الضربة الأولى لهم.
واستطاعت مقدمة النصارى أن تخترق فرقة المتطوعة بكاملها، والبالغ عددهمكما ذكرنا – ستين ألفا ومائة ألف مقاتل، وقد وصلوا إلى قلب الجيش الموحدي النظامي الذي استطاع أن يصد تلك الهجمة، لكن كانت قد هبطت وبشدة معنويات الجيش الإسلامي نتيجة قتل الآلاف منهم، وارتفعت كثيرا معنويات الجيش النصارى لنفس النتيجة.
وحين رأى ألفونسو الثامن ذلك أطلق قوات المدد المدربة لإنقاذ مقدمة النصارى ، وبالفعل كان لها أثر كبير وعادت من جديد الكرّة للنصارى.
في هذه الأثناء حدث حادث خطير في جيش المسلمين، فحين رأى الأندلسيون ما حدث في متطوعة المسلمين واستشهاد الآلاف منهم، إضافة إلى كونهم يقاتلون مرغمين مع الموحدين – كما ذكرنا قبل ذلك – وأيضا كونهم يعتقدون بالعدد وليس في الثقة بالله عز وجل كل هذه الأمور اعتملت في قلوبهم، ففروا من أرض القتال.
وحين فرت ميمنة المسلمين من أرض الموقعة التف النصارى حول جيش المسلمين وبدأت الهلكة فيهم، فقتل الآلاف من المسلمين بسيوف النصارى في ذلك اليوم، والذي سُمّي بيوم العقاب أو معركة العقاب.
قُتل سبعون ألفا من مسلمي دولة الموحدين ومن الأندلسيين.. قُتلوا على يد النصارى، وفر الناصر لدين الله من أرض الموقعة ومعه فلول الجيش المنهزم المنكسر والمصاب في كل أجزاء جسده الكبير..
ومما زاد من مررارة الهزيمة أنه ارتكب خطأ آخر لا يقل بحال من الأحوال عن هزيمته المنكرة السابقة وفراره من أرض المعركة، وهو أنه لم يمكث بعد موقعة العقاب في المدينة التي تلي مباشرة مدينة العقاب، وهي مدينة بيّاسة، بل فر وترك بيّاسة ثم ترك أوبدّة، ترك كلتيهما بلا حامية وانطلق إلى مدينة أشبيليّة، وما زالت قوة النصارى في عظمها وما زالت في بأسها الشديد.

الفواجع بعد العقاب
انطلقت قوة النصارى بعد عقاب وهزيمة المسلمين تلك في موقعة العقاب فحاصرت بيّاسة، وكانت مأوى للمرضى والنساء والأطفال، فجمعوهم في المسجد الجامع الكبير في المدينة وقاموا بقتلهم جميعهم بالسيف، ثم انطلقوا إلى مدينة أوبدة، وهناك حاصروها ثلاثة عشر يوما، ثم أعطوا أهلها الأمان على أن يخرجوا منها، وعند خروجهم أمر القساوسة الملوك بقتلهم وعدم تركهم، فقتل من المسلمين في مدينة أوبدّة وفي أعقاب موقعة العقاب وفي يوم واحد ستون ألف مسلم.
وقد تدهور حال المسلمين كثيرا في كل بلاد المغرب والأندلس على السواء، حتى قطع المؤرخون بأنه بعد موقعة العقاب ما كنت تجد شابا صالحا للقتال لا في بلاد المغرب ولا في بلاد الأندلس. فكانت موقعة واحدة قد بددت وأضاعت دولة في حجم وعظم دولة الموحدين.
ثم إنه قد انسحب الناصر لدين الله أكثر مما كان عليه، فانسحب من أشبيلية إلى بلاد المغرب العربي، ثم قد اعتكف في قصره واستخلف ابنه وليا للعهد من بعده وهو بعد لم يتجاوز العشر سنين.
وفي عمل قد يعد أمرا طبيعيا ونتيجة حتمية لمثل هذه الأفعال، فقد توفي الناصر لدين الله بعد هذا الاستخلاف بعام واحد في سنة عشر وستمائة من الهجرة، عن عمر لم يتجاوز الرابعة والثلاثين، وتولى حكم البلاد من بعده ولي عهده وابنه المستنصر بالله، وعمره آنذاك إحدى عشرة سنة فقط.
ومن جديد وكما حدث في عهد ملوك الطوائف تضيع الأمانة ويوسّد الأمر لغير أهله وتتوالى الهزائم على المسلمين بعد سنوات طويلة جدا من العلو والسيادة والتمكين لدولة الموحدين.

متابعة المأساة بعد موقعة العقاب
في موقف مدّ في عمر الإسلام في بلاد الأندلس بضع سنوات ظهرت بعض الأمراض في الجيوش القشتالية، الأمر الذي اضطرهم إلى العودة إلى داخل حدودهم.
وفي سنة أربعة عشرة وستمائة من الهجرة، وبعد موقعة العقاب بخمس سنين، ونظرا لتردي الأوضاع في بلاد المغرب، وتولي المستنصر بالله أمور الحكم وهو بعد طفل لم يبلغ الرشد، ظهرت حركة جديدة من قبيلة زناته في بلاد المغرب واستقلت عن حكم دولة الموحدين هناك، وأنشأت دولة سنية هي دولة بني مارين، والتي سيكون لها شأن كبير فيما بعد في بلاد الأندلس.
وفي سنة عشرين وستمائة من الهجرة سقطت جزر البليار، وقتل فيها عشرون ألفا من المسلمين على يد ملك أراجون بمساعدة إيطاليا.
وفي نفس العام أيضا استقل بنو حفص بتونس، وانفصلوا بها عن دولة الموحدين.. وهو ذلك العام الذي توفي فيه أمير الموحدين المستنصر بالله عن إحدى وعشرين سنة فقط.
وعلى إثر هذا فقد دار صراع شديد على السلطة؛ حيث لم يكن المستنصر بالله قد استخلف بعد، فتولى عم أبيه عبد الواحد من بعده، إلا أنه خلع وقتل، ثم تولى من بعده عبد الله العادل، وعلى هذا الحال ظل الصراع، وأصبح الرجل يتولى الحكم مدة أربع أو خمس سنوات فقط ثم يُخلع أو يُقتل ويأتي غيره وغيره، حتى سارت الدولة نحو هاوية سحيقة.
وفي سنة خمسة وعشرين وستمائة من الهجرة استقل رجل يسمى ابن هود بشرق وجنوب الأندلس، وكان كما يصفه المؤرخون مفرطا في الجهل، ضعيف الرأي، لم يُنصر له على النصارى جيش.

وفي سنة ثلاثة وثلاثين وستمائة من الهجرة استقل بنو جيّان بالجزائر، وفي نفس هذا العام حدث حادث خطير ومروع. إنه حادث سقوط قرطبة حاضرة الإسلام.

المأساة الكبرى وسقوط قرطبة

على أنقاض دولة الموحدين التي انفكت عراها بعد هزيمتهم المدوية في معركة العقاب في (15 من صفر 609هـ= 16 من يوليو 1212م) المعروفة أمام الجيوش الإسبانية والأوروبية المتحالفة – نجح محمد بن يوسف بن هود في أن يقيم دولة كبيرة ضمت قواعد الأندلس الكبرى، مثل: إشبيلية حاضرة الحكم الموحدي، وشاطبة، وجيان، وغرناطة، ومالقة، وألمرية، وأصبح بعد هذا النجاح زعيم الأندلس وقائد حركة تحريرها والدفاع عنها أمام أطماع النصارى التي ليس لها حد؛ ولذلك دخل في معارك معهم أصابه التوفيق في بعضها، وحلّت به الهزيمة في بعضها الآخر.

ومحمد بن يوسف بن هود كان قبل أن يظهر أمره من أجناد “مرسية” ومن بيت عريق في الزعامة والرياسة، فهو سليل بني هود ملوك سرقسطة أيام حكم الطوائف، استطاع أن يجمع حوله الأتباع والأنصار، وأن يحارب بهم دولة الموحدين، وكانت تمر بظروف حرجة فلم تقو على الوقوف أمامه، فتساقطت مدنها في يده بعدما اشتد أمره وذاع ذكره.

صراع ومنافسة
ولم يكن ابن هود منفردًا بحكم الأندلس، ولم تتحد قواعدها الكبرى تحت سلطانه فقد نافسه في شرقي الأندلس “أبو جميل زيان بن مردنيش” وكانت بلنسية تحت يده. وفي وسط الأندلس وجنوبها نافسه “محمد بن يوسف الأحمر” وكان زعيمًا شجاعًا مقدامًا، أهلته ملكاته ومواهبه أن يشتد أمره ويضع يده على “جيان” وما حولها، وأن يتطلع إلى أن يبسط سلطانه على قواعد الأندلس في الجنوب.
واستشعر ابن هود بقوة منافسه ابن الأحمر وتوجس منه خيفة ومن تطلعاته الطموحة، فشاء أن يقضي على آمال خصمه قبل أن تتحول إلى حقيقة ويعجز هو عن إيقاف مده والقضاء على خطره، فلجأ إلى السيف لتحقيق ما يتمنى، ولم يكن خصمه القوي في غفلة عما يدبر له، فاستعد ليوم اللقاء، وعقد حلفًا مع “أبي مروان أحمد الباجي” القائم على إشبيلية التي خرجت من سلطان ابن هود.
وكان مما لا بد منه، والتقى الفريقان على مقربة من إشبيلية في معركة حامية في سنة (631هـ=1233م)، وانتصر الحليفان على غريمهما ابن هود، ودخل ابن الأحمر إشبيلية بعد ذلك، وهو يضمر في نفسه التخلص من حليفه الباجي، فدس له من يقتله، وحاول أن يبسط يده على إشبيلية فلم يتمكن، وثار عليه أهلها، وأخرجوه منها بعدما علموا بفعلته مع زعيمهم أبي مروان الباجي، وأرسلوا إلى ابن هود يسلمون له مدينتهم لتكون تحت حكمه وسلطانه.

الرجوع إلى الحق
وحدث ما لم يكن متوقعًا، فقد حل السلم والصلح بين الزعيمين المتخاصمين، ولعلهما أدركا خطر الحرب بينهما واستنزاف الأموال والدماء في معارك لن يستفيد منها سوى عدوهما المشترك ملك قشتالة، فغلّبا صوت العقل وخلق الأخوة على التنافس البغيض، وعقدا الصلح في (شوال 631هـ= يونيو 1234م)، واتفقا على أن يقر ابن الأحمر بطاعة ابن هود على أن يقره الأخير على ولايتي أرجونة وجيان.
وفي هذه الفترة لم يكن فرناندو الثالث يكف عن شن غزواته وحروبه، ولا يهدأ في إرسال جيوشه تعبث في الأرض فسادًا. وكان ابن هود يرده في كل مرة بعقد اتفاقية وهدنة، ويدفع له إتاوة عالية، وينزل له عن بعض الحصون، وكان فرناندو يهدف من وراء غزواته المتتالية أن يرهق المسلمين ويستولي على حصونهم، حتى تأتي الفرصة المواتية فينقض على قرطبة تلك الحاضرة العظيمة ذات المجد الأثيل ويستولي عليها.
ولم تكن المدينة العظيمة في أحسن حالتها، تضطرب الأمور فيها اضطرابًا، تميل مرة إلى ابن الأحمر، ومرة أخرى إلى ابن هود، لا تتفق على رأي، ولا تسلم زمامها لمن يستحق وتمكنه قدرته وكفاءته من النهوض بها، وتفتك الخصومات والأحقاد بها، ويبدو أن الملك القشتالي كان على علم بعورات المدينة، ينتظر اللحظة المناسبة للانقضاض عليها.

غزو قرطبة
وأواخر (ربيع الآخر 633هـ= 1236م) خرج جماعة من فرسان قشتالة المغامرين صوب قرطبة، واحتموا بظلام الليل وخيانة البعض ونجحوا في الاستيلاء على منطقة من مناطق المدينة تعرف بالربض الشرقي، وكانت قليلة السكان، ضعيفة الحراسة، وقتلوا كثيرًا من سكانها، وفر الباقون إلى داخل المدينة، وبعدما زالت المفاجأة جاءت حامية المدينة وهاجموا هؤلاء الغزاة الذين تحصنوا بالأبراج، وبعثوا في طلب النجدة والإمداد، فجاءتهم نجدة صغيرة من إخوانهم النصارى، وتحرك فرناندو على الفور صوب قرطبة، غير ملتزم بالمعاهدة التي عقدها مع ابن هود الذي تتبعه المدينة، وبدأت تتجمع قوات من النصارى تحت أسوار المدينة ويزداد عددها يومًا بعد يوم، وتتوقد قلوبهم حماسة وحمية، وبدأ الملك يضع خطته للاستيلاء على المدينة العظيمة.

موقف ابن هود
تطلع القرطبيون في هذه اللحظات الحرجة إلى ابن هود لإنجادهم والدفاع عن مدينتهم باعتباره حاكم المدينة الشرعي، فاستجاب لهم حين علم بالخطر الداهم الذي يحيط بالمدينة العريقة، وخرج في جيش كبير من بلنسية إلى قرطبة، وعسكر على مقربة منهم، وكان أهل قرطبة ينتظرون مقدمه واشتباكه مع النصارى في موقعة فاصلة، وبدلاً من أن يفعل ذلك ظل واقفًا في مكانه لا يحرك ساكنًا، ولا يتحرش بهم، ولو أنه اشتبك معهم لحقق نصرًا هائلاً وألحق بهم هزيمة كبيرة، فحشودهم لم تكن ذات شأن، جمعتها الحماسة والحمية، وفرسانهم لم يكن يتجاوزا المائتين.
ويختلف المؤرخون في السبب الذي جعل ابن هود يقف هذا الموقف المخزي، وهو الذي ملأ الأندلس كلامًا بأنه سيعمل على تحرير الأندلس من عدوان النصارى، وعلى إحياء الشريعة وسننها. يذهب بعض المؤرخين إلى أن قسوة الجو وهطول الأمطار بشدة ونقصان المؤن هو الذي حمل ابن هود على اتخاذ هذا الموقف.
وتذهب بعض الروايات أن أحد رجال ابن هود وكان مسيحيًا قشتاليًا خدعه وأوهمه بأن الملك في أعداد هائلة من جيشه، مجهزة بأقوى الأسلحة وأفتكها، وأنه لا يأمل أن يتحقق النصر على جيش مثل هذا، فانخدع له ابن هود وتخلى عن نجدة أهل قرطبة، وأيًا كانت الأسباب التي يلتمسها المؤرخون لموقف ابن هود فإن ذلك لن يغير من الحقيقة شيئًا، وهو أن ابن هود ترك قرطبة دون أن ينجدها ويضرب القوات التي تحاصرها، ولم يكن عاجزًا أو ضعيفًا، فقواته كانت تتجاوز خمسة وثلاثين ألف جندي، لكنه لم يفعل.

سقوط قرطبة
لم يعد أمام قرطبة بعد أن تركها ابن هود تلقى مصيرها سوى الصمود ومدافعة الحصار الذي ضربه حولها فرناندو الثالث، الذي قطع عنها كل اتصال عن طريق البر أو عن طريق نهر الوادي الكبير؛ فانقطعت عنها المؤن والإمدادات وكل ما يجعلها تقوى على الصمود، وظل هذا الوضع قائمًا حتى نفدت موارد المدينة المنكوبة ونضبت خزائنها، واضطر زعماء المدينة إلى طلب التسليم على أن يخرجوا آمنين بأموالهم وأنفسهم، فوافق الملك على هذا الشرط.
وفي أثناء المفاوضات علم أهل قرطبة أن الجيش القشتالي يعاني من نقص المؤن مثلما يعانون، فابتسم الأمل في نفوسهم، فتراجعوا عن طلب تسليم المدينة أملاً في أن يدفع نقص المؤن الجيش القشتالي على الرحيل ورفع الحصار، لكن أملهم قد تبدد بعد أن تحالف ملك قشتالة مع ابن الأحمر أمير جيان، فتآمر عليهم العدو والصديق، ولم يجدوا بدًا من التسليم ثانية بعد أن تعاونت الخيانة مع ضياع المروءة والشرف في هذا المصير المحتوم.
وأغرى هذا الموقف المخزي بعض القساوسة الغلاة في أن يصر الملك على فتح المدينة بالسيف وقتل من فيها، لكن الملك رفض هذا الرأي خشية أن يدفع اليأس بأهل قرطبة إلى الصبر والصمود وتخريب المدينة العامرة وكانت درة قواعد الأندلس، فآثر الموافقة على التسليم.
وفي يوم حزين وافق (الثالث والعشرين من شهر شوال 633هـ= 29 من يونيو 1236م) دخل القشتاليون المدينة التليدة، ورُفع الصليب على قمة صومعة جامعها الأعظم، وصمت الأذان الذي كان يتردد في سماء المدينة أكثر من خمسة قرون، وحُوّل المسجد في الحال إلى كنيسة، وفي اليوم التالي دخل فرناندو قرطبة في كوكبة من جنوده وأتباعه، وهو لا يصدق أن ما يحلم به قد تحقق، لا بقدرته وكفاءته وإنما بتنازع المسلمين وتفرقهم، ووطئت أقدامه عاصمة الخلافة في الأندلس لا بشجاعة جنوده وبسالتهم وإنما بجبن قادة المسلمين وحكامهم.. وهكذا سقطت المدينة التليدة التي كانت يومًا ما مركز الحكم، ومثوى العلوم والأدب، ومفخرة المسلمين..

سقوط الأندلس

الوضع الآن هو سقوط دولة الموحدين على إثر موقعة العقاب، ثم سقوط مدن المسلمين الواحدة تلو الأخرى، حتى سقطت قرطبة حاضرة الإسلام وعاصمة الخلافة، وسقطت جيان في سنة ثلاث وأربعين وستمائة من الهجرة.
هذا ولم يبق في الأندلس إلا ولايتان فقط كبيرتان نسبيا، الأولى هي ولاية غرناطة، وتقع في الجنوب الشرقي، وتمثل حوالي خمس عشرة بالمائة من بلاد الأندلس، والثانية هي ولاية أشبيلية، وتقع في الجنوب الغربي، وتمثل حوالي عشرة بالمائة من أرض الأندلس.
هاتان الولايتان هما اللتان بقيتا فقط من جملة بلاد الأندلس، وكان من العجيب كما ذكرنا أن يظل الإسلام في بلاد الأندلس بعد هذا الوضع وبعد سقوط قرطبة، وبعد هذا الانهيار الكبير لمدة تقرب من خمسين ومائتي سنة، فكانت هذه علامات استفهام كبيرة، ولا بد من وقفة معها بعض الشيء.

ابن الأحمر وملك قشتالة ومعاهدة الخزي
في نفس العام التي سقطت فيه جيان، وفي سنة ثلاث وأربعين وستمائة من الهجرة، وحماية لحقوق وواجبات مملكة قشتالة النصرانية وولاية غرناطة الإسلامية، يأتي فرناندو الثالث ملك قشتالة ويعاهد ابن الأحمر الذي يتزعم ولاية غرناطة، ويعقد معه معاهدة يضمن له فيها بعض الحقوق ويأخذ عليه بعض الشروط والواجبات.
وقبل أن نتحدث عن بنود هذه الاتفاقية وتلك المعاهدة، نتعرف أولا على أحد طرفي هذه المعاهدة وهو ابن الأحمر، فهو محمد بن يوسف بن نصر بن الأحمر، والذي ينتهي نسبه إلى سعد بن عبادة الخزرجي صاحب رسول الله صلى الله عليه وسلم لكن شتّان بين محمد بن يوسف بن نصر بن الأحمر هذا، وبين سعد بن عبادة الخزرجي، وقد سُمّي بابن الأحمر لاحمرار لون شعره، ولم يكن هذا اسما له، بل لقبا له ولأبنائه من بعده حتى نهاية حكم المسلمين في غرناطة.
وفي بنود المعاهدة التي تمت بين ملك قشتالة وبين محمد بن يوسف بن نصر بن الأحمر هذا أو محمد الأول كان ما يلي
أولا أن يدفع ابن الأحمر الجزية إلى ملك قشتالة، وكانت خمسين ومائة ألف دينار من الذهب سنويا، وكان هذا تجسيدا لحال الأمة الإسلامية، وتعبيرا عن مدى التهاوي والسقوط الذريع بعد أفول نجم دولة الموحدين القوية المهابة، والتي كانت قد فرضت سيطرتها على أطراف كثيرة جدا من بلاد الأندلس وإفريقيا.
ثانيا أن يحضر بلاطه كأحد ولاته على البلاد، وفي هذا تكون غرناطة تابعة لقشتالة ضمنيا.
ثالثا أن يحكم غرناطة باسم ملك قشتالة علانية، وبهذا يكون ملك قشتالة قد أتم وضمن تبعية غرناطة له تماما.
رابعا أن يسلمه ما بقي من حصون جيّان- المدينة التي سقطت أخيرا- وأرجونه وغرب الجزيرة الخضراء حتى طرف الغار، وحصون أخرى كثيرة جدا تقع كلها في غرب غرناطة، وبذلك يكون ابن الأحمر قد سلم لفرناندو الثالث ملك قشتالة مواقع في غاية الأهمية تحيط بغرناطة نفسها.
خامسا وهو أمر في غاية الخطورة، وهو أن يساعده في حروبه ضد أعدائه إذا احتاج إلى ذلك، أي أن ابن الأحمر يشترك مع ملك قشتالة في حروب ملك قشتالة التي يخوضها أيا كانت الدولة التي يحاربها.

قمة التدني والانحطاط وسقوط أشبيلية
في أول حرب له بعد هذه الاتفاقية قام ملك قشتالة بالزحف نحو أشبيلية، وبالطبع طلب من ابن الأحمر أن يساعده في حربها وفق بنود المعاهدة السابقة، والتزاما صاغرا بها، ودوسا بالأقدام لتعاليم الإسلام وشرائعه، وضربا عرض الحائط لرابطة النصرة والأخوة الإسلامية، وموالاة للنصارى وأعداء الإسلام على المسلمين، ما كان من ابن الأحمر إلا أن سمع وأطاع، وبكامل عدته يتقدم فرسان المسلمين الذين يتقدمون بدورهم جيوش قشتالة نحو أشبيلية، ضاربين حصارا طويلا وشديدا حولها.
وإنه لمما يثير الحيرة والدهشة ويدعو إلى التعجب والحسرة في ذات الوقت هو أنه إذا كان ابن الأحمر على هذه الصورة من هذه السلبية وذاك الفهم السقيم، والذي لا يُنبئ إلا عن مصلحة شخصية ودنيوية زائلة، فأين موقف شعب غرناطة الذي هو قوته وجيشه؟! وكيف يرتضي فعلته تلك ويوافقه عليها، ومن ثم يتحرك معه ويحاصر أشبيلية المسلمة المجاورة، وهما معا (أشبيلية وغرناطة) كانا مدينة واحدة في دولة إسلامية واحدة هي دولة الأندلس؟!
أليس الجيش من الشعب؟! أوليس هم مسلمون مثلهم وأخوة في الدين لهم حق النصرة والدفاع عنهم؟! فإنه ولا شك كان انهيارا كبيرا جدا في أخلاق القادة وأخلاق الشعوب.
يتحرك الجيش الغرناطي مع الجيش القشتالي ويحاصرون المسلمين في أشبيلية، ليس لشهر أو شهرين، إنما طيلة سبعة عشر شهرا كاملا، يستغيث فيها أهل أشبيلية بكل من حولهم، لكن هل يسمع من به صمم؟!

المغرب الآن مشغول بالثورات الداخلية، وبنو مارين يصارعون الموحدين في داخل المغرب، والمدينة الوحيدة المسلمة في الأندلس غرناطة هي التي تحاصر أشبيليّةوهناك وفي السابع والعشرين من شهر مضان لسنة ست وأربعين وستمائة من الهجرة، وبعد سبعة عشر شهرا كاملا من الحصار الشديد، تسقط أشبيليّة بأيدي المسلمين ومعاونتهم للنصارى، تسقط أشبيليّة ثاني أكبر مدينة في الأندلس، تلك المدينة صاحبة التاريخ المجيد والعمران العظيم، تسقط أشبيليّة أعظم ثغور الجنوب ومن أقوى حصون الأندلس، تسقط أشبيليّة ويغادر أهلها البلاد، ويهجّر ويشرّد منها أربعمائة ألف مسلم، وواحسرتاه على المسلمين، تفتح حصونهم وتدمر قوتهم بأيديهم
وَمَا فَتِئَ الزَّمَانُ يَدُورُ حَتَّى مَضَى بِالْمَجْدِ قَوْمٌ آخَرُونَوَأَصْبَحَ لَا يُرَى فِي الرَّكْبِ

قَوْمِي وَقَدْ عَاشُوا أَئِمَّتُهُ سِنِينًاوَآلَمَنِي وَآلَمَ كُلَّ حُرٍّ سُؤَالُ الدَّهْرِ أَيْنَ الْمُسْلِمُونَ؟
أين المسلمون؟! إنهم يحاصرون المسلمين! المسلمون يقتلون المسلمين! المسلمون يشرّدون المسلمين!
وعلى هذا تكون أشبيلية قد اختفت وإلى الأبد من الخارطة الإسلامية، وما زال إلى الآن مسجدها الكبير الذي أسسّه يعقوب المنصور الموحدي بعد انتصار الأرك الخالد، والذي أسسّه بغنائم الأرك، مازال إلى اليوم كنيسة يعلّق فيها الصليب، ويُعبد فيها المسيح بعد أن كانت من أعظم ثغور الإسلام.

غرناطة ولماذا يعاهدها ملك قشتالة؟
لم يتبق في الأندلس في سنة ست وأربعين وستمائة من الهجرة بلادا إسلامية غير غرناطة وما حولها فقط من القرى والمدن، والتي لا تمثل كما ذكرنا أكثر من خمس عشرة بالمائة من أرض الأندلس، وهي تضم ثلاث ولايات متحدة هي ولاية غرناطة، وولاية ملقة، وولاية ألمرية، ثلاث ولايات تقع تحت حكم ابن الأحمر، وإن كان هناك شيء من الاستقلال داخل كل ولاية.
ولنا أولا أن نتساءل ونتعجب لماذا يعقد فرناندو الثالث اتفاقية ومعاهدة مع هذه القوة التي أصبح القضاء عليها أمرا ميسورا خاصة بعد هذا الانهيار المروّع لدولة المسلمين؟! لماذا يعقد معاهدة مع ابن الأحمر؟! ولماذا لم يأكل غرناطة كما أكل غيرها من بلاد المسلمين ودون عهود أو اتفاقيات؟!
والواقع أن ذلك كان للأمور التالية
أولا كانت غرناطة بها كثافة سكانية عالية؛ الأمر الذي يجعل من دخول جيوش النصارى إليها من الصعوبة بمكان، وقد كان من أسباب هذه الكثافة العالية أنه لما كانت تسقط مدينة من مدن المسلمين في أيدي النصارى فكان النصارى كما ذكرنا ينتهجون نهجا واحدا، وهو إما القتل أو التشريد والطرد من البلاد.
فكان كلما طُرد رجل من بلاده عمق واتجه ناحية الجنوب، فتجمع كل المسلمون الذين سقطت مدنهم في أيدي النصارى في منطقة غرناطة في الجنوب الشرقي من البلاد، فأصبحت ذات كثافة سكانية ضخمة، الأمر يصعب معه دخول قوات النصارى إليها.
ثانيا كانت غرناطة ذات حصون كثيرة ومنيعة جدا، وكانت هذه الحصون تحيط بغرناطة وألمرية وملقة.
ثالثا أنها (غرناطة) كانت تقع في الجنوب الشرقي وعلى البحر المتوسط، أي أنها قريبة من بلاد المغرب العربي، وكانت قد قامت في بلاد المغرب العربي كما ذكرنا نواة دولة إسلامية جديدة هي دولة بني مارين، وكانت دولة سنية تقوم على التقوى، فكانت بين الحين والآخر تساعد بلاد غرناطة؛ ومن جراء ذلك استطاعت غرناطة أن تصمد بعض الشيء وتقف على أقدامها ولو قليلا أمام فرناندو الثالث ومن معه من النصارى في مملكة قشتالة.
ومن هنا وافق فرناندو الثالث على عقد مثل هذه المعاهدة، وإن كانت كما رأينا معاهدة جائرة ومخزية، يدفع فيها ابن الأحمر الجزية، ويحارب بمقتضاها مع ملك قشتالة، ويتعهد فيها بألا يحاربه في يوم ما.

غرناطة وموعد مع الأجل المحتوم
كعادتهم ولطبيعة متأصلة في كينونتهم، ومع كون المعاهده السابقة والتي بين ابن الأحمر وملك قشتالة تقوم على أساس التعاون والتصالح والنصرة بين الفريقين، إلا أنه بين الحين والآخر كان النصارى القشتاليون بقيادة فرناندو الثالث ومن تبعه من ملوك النصارى يخونون العهد مع ابن الأحمر، فكانوا يتهجمون على بعض المدن ويحتلونها، وقد يحاول هو (ابن الأحمر) أن يسترد هذه البلاد فلا يفلح، فلا يجد إلا أن يعاهدهم من جديد على أن يترك لهم حصنا أو حصنين أو مدينة أو مدينتين مقابل أن يتركوه حاكما على بلاد غرناطة باسمهم، ولاحول ولا قوة إلا بالله.
فلم تؤسَّس غرناطة على التقوى، بل أسسها ابن الأحمر على شفا جرف هارٍ، معتمدا على صليبي لا عهد له ولا أمان وقد ظل ابن الأحمر طيلة الفترة من سنة ثلاث وأربعين وستمائة من الهجرة، ومنذ أول معاهدة عقدها مع ملك قشتالة، وحتى سنة إحدى وسبعين وستمائة ظل طيلة هذه الفترة في اتفاقيات ومعاهدات.
وفي سنة إحدى وسبعين وستمائة من الهجرة بدأ ملك قشتالة وكان في ذلك الوقت ألفونسو العاشر بالمخالفة الصريحة لبنود المعاهدة المبرمة بينهما، وبدأ في تجييش الجيوش لدخول غرناطة، ومن ثم إنهاء الوجود الإسلامي تماما من أرض الأندلس.
هنا وجد ابن الأحمر نفسه في مأزق، وحينها فقط علم أنه عاهد من لا عهد له، فماذا يفعل؟ ما كان منه إلا أن يمّم وجه شطر بلاد المغرب حيث بنو مارين، وحيث الدولة التي قامت على أنقاض دولة الموحدين، والتي كان عليها رجل يُسمّى يعقوب بن منصور الماريني، الماريني تمييزا بينه ويعقوب بن منصور الموحدي في دولة الموحدين، وكلاهما كانا على شاكلة واحدة، وكلاهما من عظماء المسلمين، وكلاهما من أكبر القواد في تاريخ المسلمين.

يعقوب بن منصور الماريني رجل الشدائد
في وصف بليغ ليعقوب بن منصور الماريني يحدث المؤرخون المعاصرون له أنه كان صوّاما قوّاما، دائم الذكر، كثير الفكر، لا يزال في أكثر نهاره ذاكرا، وفي أكثر ليله قائما يصلي، مكرما للصلحاء، كثير الرأفة والحنين على المساكين، متواضعا في ذات الله تعالى لأهل الدين، متوقفا في سفك الدماء، كريما جوّادا، وكان مظفرا، منصور الراية، ميمون النقيبة، لم تهزم له راية قط، ولم يكسر له جيش، ولم يغزو عدوا إلا قهره، ولا لقي جيشا إلا هزمه ودمّره، ولا قصد بلدا إلا فتحه، وكان خطيبا مفوها، يؤثّر في نفوس جنوده، شجاعا مقداما يبدأ الحرب بنفسهوفي تطبيق عملي لإحدى هذه الصفات وحين استعان محمد بن الأحمر الأول بيعقوب بن منصور الماريني ممثلا في دولة بني مارين، ما كان منه إلا أن أعد العدة وأتى بالفعل، وقام بصد هجوم النصارى على غرناطة.

بلاد الأندلس واستيراد النصر وقفة عابرة
لقد تعودت بلاد الأندلس استيراد النصر من خارجها كانت هذه مقولة ملموسة طيلة العهود السابقة لبلاد الأندلس، فلقد ظلت لأكثر من مائتي عام تستورد النصر من خارج أراضيها، فمرة من المرابطين، وأخرى من الموحدين، وثالثة كانت من بني مارين وهكذا، فلا تكاد تقوم للمسلمين قائمة في بلاد الأندلس إلا على أكتاف غيرهم من بلاد المغرب العربي وما حولها.
ومن الطبيعي ألا يستقيم الأمر لتلك البلاد التي تقوم على أكتاف غيرها أبدا، وأبدا لا تستكمل النصر، وأبدا لا تستحق الحياة، لا يستقيم أبدا أن تنفق الأموال الضخمة في بناء القصور في غرناطة مثل قصر الحمراء الذي يعد من أعظم قصور الأندلس ليحكم منها ابن الأحمر أوغيره وهو في هذه المحاصرة من جيوش النصارى، ثم يأتي غيره ومن خارج الأندلس ليدافع عن هذه البلاد وتلك القصور.
ولا يستقيم أبدا لابن الأحمر أن يُنشئ الجنان الكثيرة (أكثر من ثلاثمائة حديقة ضخمة في غرناطة، وكان يطلق على كل حديقة منها اسم (جنّة) لسعتها وكثرة الثمار والأشجار فيها) وينفق كل هذا الإنفاق والبلاد في حالة حرب مع النصارى، ثم حين يأتي وقت الجهاد يذهب ويستعين بالمجاهدين من البلاد المجاورة.
وعلى كلٍ فقد أتى بنو مارين كما ذكرنا واستطاعوا أن يردوا الهجوم عن غرناطة، وحفظها الله من السقوط المدوي.

وفاة محمد الأول وولاية محمد الفقيه
في ذات العام الذي رُدّ فيه جيش النصارى، وفي سنة إحدى وسبعين وستمائة يموت محمد بن الأحمر الأول وقد قارب الثمانين من عمره، وقد استخلف على الحكم ابنه، ومثل اسمه واسم معظم أمراء بني الأحمر كان اسم ابنه هذا محمد، فكان هو محمد بن محمد بن يوسف بن الأحمر، وكانوا يلقبونه بالفقيه؛ لأنه كان صاحب علم غزير وفقه عميق.
لما تولى محمد الفقيه الأمور في غرناطة نظر إلى حال البلاد فوجد أن قوة المسلمين في بلاد الأندلس لن تستطيع أن تبقى صامدة في مواجهة قوة النصارى، هذا بالإضافة إلى أن ألفونسو العاشر حين مات ابن الأحمر الأول ظن أن البلاد قد تهاوت، فما كان منه إلا أن أسرع بالمخالفة من جديد وبالهجوم على أطراف غرناطة، ما كان أيضا من محمد الفقيه إلا أن استعان بيعقوب المنصور الماريني رحمه الله.
وفي سنة ثلاث وسبعين وستمائة من الهجرة يجهز المنصور جيشا قوامه خمسة آلاف رجل فقط، ويضع نفسه على رأسه، ويعبر به إلى بلاد الأندلس حتى يساعد محمد الفقيه في حربه ضد النصارى.
وهناك وفي مكان خارج غرناطة وبالقرب من قرطبة يلتقي المسلمون مع النصارى، المسلمون تعدادهم عشرة آلاف مقاتل فقط، خمسة آلاف من جيش بني مارين، ومثلهم من جيش غرناطة، وفي مقابلتهم تسعون ألفا من النصارى، وعلى رأسهم واحد من أكبر قواد مملكة قشتالة يدعى دون نونيو دي لارى ( تعمدنا ذكر اسمه لأن الموقعة التي دارت بين المسلمين والنصارى في هذا المكان عُرفت بموقعة الدونونيّة؛ نسبة إلى اسمه).

موقعة الدونونيّة ونصر مؤزر
في سنة أربع وسبعين وستمائة من الهجرة تقع موقعة الدونونية، وكان على رأس جيوش المسلمين المنصور الماريني رحمه الله، وقد أخذ يحفز الناس بنفسه على القتال، وكان مما قاله في خطبته الشهيره في تحفيز جنده في هذه الموقعة، ألا وإن الجنة قد فتحت لكم أبوابها، وزينت حورها وأترابها، فبادروا إليها وجِدُّوا في طلبها، وابذلوا النفوس في أثمانها، ألا وإنّ الجنّة تحت ظلال السيوف [إِنَّ اللهَ اشْتَرَى مِنَ المُؤْمِنِينَ أَنْفُسَهُمْ وَأَمْوَالَهُمْ بِأَنَّ لَهُمُ الجَنَّةَ يُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِ اللهِ فَيَقْتُلُونَ وَيُقْتَلُونَ وَعْدًا عَلَيْهِ حَقًّا فِي التَّوْرَاةِ وَالإِنْجِيلِ وَالقُرْآَنِ وَمَنْ أَوْفَى بِعَهْدِهِ مِنَ اللهِ فَاسْتَبْشِرُوا بِبَيْعِكُمُ الَّذِي بَايَعْتُمْ بِهِ وَذَلِكَ هُوَ الفَوْزُ العَظِيمُ] {التوبة111} . فاغتنموا هذه التجارة الرابحة، وسارعوا إلى الجنة بالأعمال الصالحة؛ فمن مات منكم مات شهيدا، ومن عاش رجع إلى أهله سالما غانما مأجورا حميدا، فـ [اصْبِرُوا وَصَابِرُوا وَرَابِطُوا وَاتَّقُوا اللهَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ] {آل عمران200} .
كان من جراء هذا أن عانق الناس بعضهم بعضا للوداع، وبكوا جميعا،وبهؤلاء الرجال الذين أتوا من بلاد المغرب، وبهذه القيادة الربانية، وبهذا العدد الذي لم يتجاوز العشرة آلاف مقاتل حقق المسلمون انتصارا باهرا وعظيما، وقتل من النصارى ستة آلاف مقاتل، وتم أسر ثمانية آلاف آخرون، وقتل دون نونيو قائد قشتاله في هذه الموقعة، وقد غنم المسلمون غنائم لا تحصى، وما انتصر المسلمون منذ موقعة الأرك في سنة إحدى وتسعين وخمسمائة من الهجرة إلا في هذه الموقعة، موقعة الدونونية في سنة أربعة وسبعين وستمائة من الهجرة.

الفتوحات بعد الدونونية
بعد موقعة الدونونية انقسم جيش المسلمين إلى نصفين، توجه النصف الأول إلى جيّان وكان على رأسه ابن الأحمر، ففتح جيّان وانتصر عليهم، وتوجّه النصف الآخر وعلى رأسه المنصور الماريني إلى أشبيلية، فإذا به يحرر أشبيليّة ويصالح أهلها على الجزية.
وإنه والله لأمر عجيب هذا، أمر هؤلاء الخمسة آلاف رجل، والذين يذهب بهم المنصور الماريني ويحاصر أشبيلية، فيحررها ويصالح أهلها على الجزية، تماما كما قال صلى الله عليه وسلم نُصِرْتُ بِالرُّعْبِ مَسِيرَةَ شَهْرٍ. فكان هذا مثال حي على صلاح الرجال وصلاح الجيوش.
وبعد ثلاث سنوات من هذه الموقعة، وفي سنة سبع وسبعين وستمائة من الهجرة ينتقض أهل أشبيلية فيذهب إليهم من جديد يعقوب الماريني رحمه الله، ومن جديد وبعد حصار فترة من الزمن يصالحونه على الجزية، ثم يتجه بعد ذلك إلى قرطبة ويحاصرها، فترضخ له أيضا على الجزية.
أمر والله في غاية الغرابة والعجب، يحرر قرطبة وجيّان وأشبيلية وقوام جيشه لا يتعدى الخمسة آلاف مقاتل! وإنه ليستحق وقفات ووقفات، وإن كان هذا ليس بغريب في التاريخ الاسلامي، بل إنه قد تحقق أن الغريب هو أن يحدث عكس ذلك كما ذكرنا من قبل.
الغريب هو أن يُهزم جيش مثل جيش المنصور الماريني بهذا العدد القليل الذي يعتمد فيه على الله ويأمل فيه الشهادة، والغريب هو أن ينتصر جيش مثل جيش الناصر لدين الله في موقعة العقاب حين كان قوامه خمسمائة ألف مقاتل وهم يعتقدون في عدتهم وقوتهم، وهي سنن الله الثوابت التي تتكرر في تاريخنا الإسلامي، ولنا فيها العبرة والعظة.
ومثل تلك السنن التي تتكرر كثيرا، فما أن يحقق المنصور الماريني كل هذه الانتصارات ويجمع مثل هذه الغنائم التي لا حصر لها، حتى يعطي وفي غاية الورع ومنتهى الزهد يعطي كل الغنائم لأهل الأندلس من غرناطة ويعود إلى بلاد المغرب ولا يأخذ معه شيئا، تماما كما فعل يوسف بن تاشفين رحمه الله بعد موقعة الزلاقة، وبحق كان هؤلاء هم الرجال المنصورون.
ابن حاكم ألمرية وصورة سامية ومحمد بن الأحمر الفقيه والخيانة العظمىفي أثناء رجوع يعقوب الماريني رحمه الله يموت حاكم ألمرية (من ضمن الولايات الثلاث في منطقة غرناطة، والأخريان هما ولاية ملقة وولاية غرناطة)، ومن بعده يتولى عليها ابنه وكان شابا فتيا، وقد أُعجب بأفعال ابن يعقوب الماريني وانتصاراته المتعددة إعجابا كبيرا، فعرض عليه حكم ألمرية بدلا منه، استجاب المنصور الماريني رحمه الله لطلبه، فخلّف عليها قوة صغيرة من المسلمين يبلغ قوامها ثلاثة آلاف رجل، ثم استجلب ثلاثة آلاف آخرين من بلاد المغرب، ووضعهم في جزيرة طريف حتى يكونوا مددا قريبا لبلاد الأندلس إذا احتاجوا إليهم في حربهم ضد النصارى، ثم عاد هو إلى بلاد المغرب.
هنا نظر محمد بن الأحمر الفقيه إلى ما فعله حاكم ألمرية فأوجس في نفسه خيفة ابن الأحمر، وقال إن في التاريخ لعبرة، وهو يقصد بهذا أنه حينما استعان المعتمد على الله ابن عبّاد من ملوك الطوائف بيوسف بن تاشفين أمير دولة المرابطين في المغرب، فما كان من الأخير إلا أن أخذ البلاد وضمها كلها إلى دولة المرابطين، وها هو الآن يعقوب المنصور الماريني يبدأ بمدينتي طريف وألمريّة، إن في التاريخ لعبرة، ففكر عازما على أن يقف حائلا وسدا منيعا حتى لا تُضم بلاد الأندلس إلى دولة بني مارين.
ويا لهول هذا الفكر الذي كان عليه ذلك الرجل الذي لُقب بالفقيه الذي ما هو بفقيه، فماذا يفعل إذن لكي يمنع ما تكرر في الماضي ويمنع ما جال بخاطره؟ بنظرة واقعية وجد أنه ليست له طاقة بيعقوب بن منصور الماريني، ليست له ولا لشعبه ولا لجيشه ولا لحصونه طاقة به، فماذا يفعل؟!
ما كان من محمد ابن الأحمر الفقيه إلا أن أقدم على عمل لم يتخيله أحد من المسلمين، ما كان منه إلا أن ذهب إلى ملك قشتالة واستعان به في طرد يعقوب بن منصور الماريني من جزيرة طريف، يذهب إلى ملك قشتالة بعد أن كان قد انتصر عليه هو والمنصور الماريني في موقعة الدومونية وما تلاها في سنة سبع وسبعين وستمائة من الهجرة من فتح أشبيلية وجيّان وقرطبة، يذهب إلى الذي هو عدوٌّ لهما (لابن الأحمر والمنصور الماريني) ويستعين به على طرد الماريني من جزيرة طريف.
وعلى موعد مع الزمن يأتي ملك قشتالة بجيشه وأساطيله ويحاصر طريف من ناحيتين، فناحية يقف عليها ابن الأحمر الفقيه، والأخرى يقف عليها ملك قشتالة.
وما إن يسمع بذلك يعقوب المنصور الماريني رحمه الله حتى يعود من جديد إلى جزيرة طريف، وعلى الفور يجهز الجيوش ويعد العدة، ثم يدخل في معركة كبيرة مع النصارى هناك في سنة سبع وسبعين وستمائة من الهجرة، فينتصر يعقوب المنصور الماريني رحمه الله على النصارى، ويفرون من أمامه فرّا إلى الشمال، ويجد ابن الأحمر نفسه في مواجهة مع يعقوب المنصور الماريني.
المنصور الماريني وعلو المقاصد والهمم وابن الأحمر الفقيه والخسة والدناءةما كان من محمد بن الأحمر الفقيه حين وجد نفسه في مواجهة مع الماريني إلا أن أظهر الندم والاعتذار، وتعلل وأبدى الأسباب (الغير مقبولة بالطبع)، وبأمر من حكيم وبصورة لا تتكرر إلا من رجل ملَكَ قَلْبَه، يعفو عنه يعقوب بن منصور الماريني ويتوب عليه، بل ويعيده إلى حكمه.
وإن ما فعله محمد بن الأحمر الفقيه ليفسر لنا لماذا سقطت بلاد الأندلس بعد ذلك؟ ولماذا لا تستحقّ هذه البلاد النصر والحياة؟ وإن ما فعله ابن الأحمر هذا لم يقم به بمفرده، بل كان معه أمته وشعبه وجيشه، يحاربون الرجل الذي ساعدهم في حرب النصارى وتخليصهم من أيديهم، ولا حول ولا قوة إلاّ بالله.
وفي سنة أربع وثمانين وستمائة من الهجرة يأتي من جديد يعقوب بن منصور الماريني ليساعد ابن الأحمر في حرب جديده ضد النصارى، وهكذا كان يعقوب بن منصور الماريني قد وهب حياته للجهاد في سبيل الله، والدفاع عن دين الله، وفي هذه السنة ينتصر المسلمون على النصارى، ويعقدون معهم عهدا كانت له شروط أملاها وفرضها عليهم يعقوب بن منصور الماريني رحمه الله.
في هذه المعاهدة لم يطلب يعقوب بن منصور الماريني مالا ولا قصورا ولا جاها، إنما طلب منهم أن يأتوا له بكتب المسلمين، والتي هي في قرطبة وأشبيلية وطليطلة، وغيرها من البلاد التي سقطت في أيدي النصارى، هذا هو الذي طلبه واشترطه في معاهدته.
وبالفعل أتوا إليه بكميات ضخمه من كتب المسلمين، الأمر الذي حفظ تراث الأندلس إلى الآن من الضياع، وما زالت وإلى الآن الكتب التي أخذها يعقوب بن منصور الماريني في الموقعة التي تمت في سنة أربع وثمانين وستمائة من الهجرة ما زالت في مكتبة فاس في المغرب وإلى هذه اللحظة، وهكذا كانت علو المقاصد وعلو الهمم عند يعقوب بن منصور الماريني، وكانت الخسة والدناءة عند ابن الأحمر وأولاد ابن الأحمر.

تكرار الخيانة من ابن الأحمر الفقيه وسقوط طريف
بعد الموقعة السابقة بعام واحد وفي سنة خمس وثمانين وستمائة من الهجرة يموت المنصور الماريني رحمه الله ويخلفه على إمارة بني مارين ابنه يوسف بن المنصور، ومن حينها يذهب ابن الأحمر الفقيه إليه ويعرض عليه الولاء والطاعة وما شاء من أرض الأندلس ويقدم له ما يريد، طلب منه يوسف بن المنصور رحمه الله أن يأخذ الجزيرة الخضراء وجزيرة طريف؛ حتى تكون قاعدة له في حربه مع النصارى، وقد هدأت الأمور نسبيا هناك في غرناطة.
لكن حين أخذ يوسف بن المنصور الجزيرة الخضراء وطريف، كانت قد اعتملت الوساوس من جديد في قلب ابن الأحمر، ومن جديد يذهب ابن الأحمر الفقيه إلى النصارى ويستعين بهم في حرب يوسف بن المنصور وطرده وطرد بني مارين من طريف.
وكسابقه وعلى موعد أيضا مع الزمن يأتي بالفعل جيش النصارى ويحاصر طريف كما فعل في السابق، لكن في هذه المرة يستطيعون أن يسقطوا طريف.
وقد كان الاتفاق بين ابن الأحمر الفقيه وبين النصارى أنهم إذا استولوا على جزيرة طريف من بني مارين أن يعطوها إلى ابن الأحمر الفقيه، لكن النصارى بعد أن استولوا عليها لم يعيدوها إليه، وإنما أخذوها لأنفسهم، وبذلك يكونون قد خانوا العهد معه، وتكون قد حدثت الجريمة الكبرى والخيانة العظمى وسقطت طريف.
وكان موقع طريف هذه في غاية الخطورة، فهي تطل على مضيق جبل طارق، ومعنى ذلك أن سقوطها يعني انقطاع بلاد المغرب عن بلاد الأندلس، وانقطاع العون والمدد من بلاد المغرب إلى الأندلس تماما.

أبو عبد الله بن الحكيم وأمور يندى لها الجبين
في سنة إحدى وسبعمائة من الهجرة يموت ابن الأحمر الفقيه ويتولى من بعده محمد الثالث، والذي كان يلقب بالأعمش، وهذا كان رجلا ضعيفا جدا، وقد تولى الأمور في عهده الوزير أبو عبد الله بن الحكيم الذي ما هو بحكيم، حيث كانت له السيطرة على الأمور في بلاد غرناطة، وكان على شاكلة من سبقه في مراسلة ملك قشتالة والتحالف معه.
لم يكتف أبو عبد الله بن الحكيم بذلك، لكنه زاد على السابقين له في هذه المحالفات وغيرها بأن فعل أفعالا يندى لها الجبين، كان منها أنه جهّز جيشا وذهب ليقاتل، تُرى يقاتل من؟ أيقاتل النصارى الذين هم على حدود ولايته وقد فعلوا الأعاجيب، أم من يقاتل؟كانت الإجابة المخزية أنه سلم منه النصارى، وذهب بجيشه واحتلّ سبتة في بلاد المغرب، ذهب إلى دولة بني مارين واحتلّ مدينة سبته حتى يقوي شأنه في مضيق جبل طارق.
وفي سبيل لزعزعة الحكم في بني مارين، وبعد اعتماده في حكمه تماما على ملك قشتالة، فقد فعل ما هو أشدّ من ذلك، حيث راسل رجلا من بني مارين وأمدّه بالسلاح ليقوم بانقلاب على يوسف بن المنصور، وقامت فتنة في بني مارين.
وإنه ولا شك غباء منقطع النظير، أمر لا يقره عقل ولا دين، لكن هذا ما حدث، فكانت النتيجة أنه بعد ذلك بأعوام قليلة سقط جبل طارق في أيدي النصارى، وذلك سنة تسع وسبعمائة من الهجرة، وعُزلت بالكلية بلاد الأندلس عن بلاد المغرب، وتركت غرناطة لمصيرها المحتوم.
انقطع الآن النصر الذي كان يأتي ويستورد ويعتمد ولسنوات طويلة على بلاد المغرب، انقطع عن شعب وحكام غرناطة الذين كثيرا ما ألفوه بينهم، وتُركوا لحالهم ولشأنهم.
وطيلة قرابة مائتي عام، ومنذ سنة تسع وسبعمائة وحتى سنة سبع وتسعين وثمانمائة من الهجرة ظل الحال كما هو عليه في بلاد غرناطة، معاهدات متتالية من أبناء الأحمر وملوك غرناطة مع ملك قشتالة، تسليم وجزية، وخزي وعار، سنوات طويلة لكنها وسبحان الله لم تسقط.

وكان السر في ذلك والسبب الرئيسي والذي من أجله حفظت هذه البلاد (وهي من غير مدد ولا عون من قبل بلاد المغرب)، هو وجود خلاف كبير وصراع طويل كان قد دار بين مملكة قشتالة ومملكة أراجون (المملكتان النصرانيّتان في الشمال)؛ حيث تصارعا سويا بعد أن صارت كل مملكة منهم ضخمة قوية، وكانتا قد قامتا على أنقاض الدولة الإسلامية في بلاد الأندلس، وكانت قوة غرناطة قد أصبحت هزيلة جدا، الأمر الذي لا يبعث على الخشية منها على الإطلاق؛ ومن ثم صرفوا أنظارهم عنها، وقد شغلوا بأنفسهم وتركوا المسلمين.

غرناطة قبل السقوط بخمس وعشرين سنة

في دراسة للوضع في آخر الخمس والعشرين سنة المتبقية من المائتي عام قبل السقوط النهائي لغرناطة وللدولة الإسلامية بصفة عامة في الأندلس، والذي كان يُعد (خلال المائتي عام) عهد خمول ودعة، وركون إلى معاهدات مخزية مع النصارى، تبدلت الأحوال (في الخمس والعشرين سنة الأخيرة من السقوط)، والتفت النصارى إلى غرناطة بعد أن كانوا قد شُغلوا عنها بحروبهم، الأمر الذي أدى في النهاية إلى سقوط الأندلس بالكلية.

مملكة غرناطة وممالك النصارى نحو الفرقة ونحو الوحدة
قبل السقوط بست وعشرين سنة تقريبا، وفي سنة إحدى وسبعين وثمانمائة كان يحكم غرناطة في ذلك الوقت رجل يدعى محمد بن سعد بن إسماعيل بن الأحمر، والذي كان يلقب بالغالب بالله، وكان له أحد الإخوة واسمه أيضا محمد، ويعرف بأبي عبد الله محمد الملقب بالزغل (الزغل يعني الشجاع) ، فكان الأول غالب بالله، وكان الثاني زغلا أو شجاعا.
وكما حدث في عهد ملوك الطوائف اختلف هذان الأخَوان على الحكم، وبدآ يتصارعان على مملكة غرناطة الهزيلة الضعيفة والمحاطة في الشمال بمملكتي قشتالة وأراجون النصرانيتين.
وكالعادة أيضا استعان أبو عبد الله محمد الزغل بملك قشتالة في حرب أخيه الغالب بالله، وقامت على إثر ذلك حرب بينهما، إلا أنها قد انتهت بالصلح، لكنهما وللأسف قد اصطلحا على تقسيم غرناطة البلد الضعيف جدا والمحاط بالنصارى إلى جزء شمالي على رأسه الغالب بالله وهي الولاية الرئيسة، وجزء جنوبي وهي ملقة، وعلى رأسها أبو عبد الله محمد الزغل،وبعد هذا التقسيم بثلاثة أعوام، وفي سنة أربع وسبعين وثمانمائة يحدث أمر غاية في الخطورة في بلاد الأندلس، فقد تزوج فرناندو الثالث ملك أراجون من إيزابيلا وريثة عرش قشتالة؛ وبذلك تكون الدولتان قد اصطلحتا معا وأنهتا صراعا كان قد طال أمده، وبعد خمس سنوات من هذا الزواج كانت المملكتان قد توحدتا معا في مملكة واحدة هي مملكة أسبانيا، وكان ذلك في سنة تسع وسبعين وثمانمائة من الهجرة، وكانت هذه بداية النهاية لغرناطة.

غرناطة وصراع أُسَري في ولاية الغالب بالله
بعد زواج فرناندو الثالث ملك أراجون من وريثة عرش قشتالة إيزابيلا كانا قد أقسما على ألا يعقدا عرسا إلا في قصر الحمراء، قصر الرئاسة الذي هو في غرناطة.
على الجانب الآخر كانت غرناطة في ذلك الوقت وفي سنة تسع وسبعين وثمانمائة من الهجرة كانت منقسمة إلى شطرين، شطر مع الزغل والآخر مع الغالب بالله، ومن ناحية أخرى فكان الشعب يعيش حالة من الترف والخمول والدعة، وقد انتشرت الخمور والغناء بصورة لافتة في هذه الآونة، وفوق ذلك أيضا كان هناك الأشدّ والأشنع.
كان الغالب بالله الذي يحكم غرناطة متزوجا من امرأة تُدعى عائشة، وقد عرفت في التاريخ بعائشة الحرة، وكانت له جارية نصرانية تُسمى ثريّا قد فُتن بها وغرق في عشقها، وكانت قد أنجبت له ولدا اسمه يحيى، وقد أثرت عليه حتى تجعل يحيى هذا وريث عرش غرناطة من بعده.
كان المؤهل للحكم رسميا هو ابن عائشة الحرة، والذي يدعى محمد أبو عبد الله محمد، وللتفرقة بين اسم العم واسم ابن الأخ، سمّوا الأخير بالصغير، حيث هو أصغر من عمه، وقد كان اسما على مسمى، فكان بالفعل صغيرا في سنه وصغيرا في مقامه.
وحتى يضمن ولاية العهد لابنه يحيى الذي هو من الجارية النصرانية، قام الغالب بالله بحبس ابنه الآخر أبو عبد الله محمد الصغير هو وأمه عائشة في قصر كبير، وقد قيد حركتهما تماما، ولأن هناك أناس كثيرون من الشعب كانوا يأبون أن يحكمهم رجل أمه جارية نصرانية، وكان هناك أيضا من يرى أحقية أبي عبد الله محمد الصغير في الحكم بعد أبيه، انطلق هؤلاء الناس حيث الابن وأمه، واستطاعوا تخليصهما، بعد فكاكه من السجن قام أبو عبد الله محمد الصغير بثورة على أبيه، وقد أحدث انقلابا في غرناطة ثم تولى الحكم وقام بطرد أبيه إلى الجنوب حيث أخيه الزغل (أخو الغالب بالله) في ملقة، وهكذا آلت البلاد إلى قسمين، قسم عليه الصغير في غرناطة، وقسم عليه الزغل في مالقة، ومعه وتحت حمايته أخوه الغالب بالله.

فرناندو الثالث واستغلال النزاع والفرقة
حيال هذا الوضع الذي آل إليه حال المسلمين في الأندلس استغل فرناندو الثالث هذا الموقف جيدا لصالحه، وبدأ يهاجم حصون غرناطة؛ حيث كان يعلم أن هناك خلافا وشقاقا كبيرا داخل البلد، وعلى غير عادة الغالب بالله الذي كان بينه وبين ملك أسبانيا معاهدات، قامت الحروب بين الصغير وبين ملك أسبانيا، لكنه (الصغير) لم يكن له طاقة بحرب ملك أسبانيا، فأُسر من قِبل الأخير وصار في يده.
وبعد أسْر الصغير استطاع الزغل أن يضم غرناطة إلى أملاكه، فأصبحت غرناطة من جديد إمارة واحدة تحت حكم الزغل.
وبعد ذلك بعام واحد مات هما وكمدا الغالب بالله، وذلك من جراء الذي حدث في البلاد، ولقد كان هذا هو ما جنته عليه نفسه وما اقترفته يداه، وما جناه عليه أحد.
وفي محاولة لفك أسر الصغير عرض الزغل على ملك أسبانيا أموالا كثيرة، ولأنه (ملك أسبانيا) كان يفكر في أمر غاية في الخطورة قابل طلبه بالرفض، فقد اتفق ملك أسبانيا مع الصغير (الذي هو في الأسر، وكان يبلغ من العمر آنذاك خمسة وعشرين عاما) على أن يُمكّنه من حكم بلاد غرناطة ويطرد منها الزغل بالكليّة.

الصغير وملك أسبانيا وخطة السراب الخادع
أشار ملك أسبانيا على الصغير بأن يدخل البلاد من جهة الشمال (شمال غرناطة)، فيثور فيها، أما هو (ملك أسبانيا) فسيأخذ جيشه ويحاصر ملقة من الجنوب، وبذلك تنحصر غرناطة بين فكي الكمّاشة.
وكان الهدف من وراء ذلك كما أراد ملك أسبانيا أنه حينما يقوم الزغل بصد ومحاربة ملك أسبانيا في ملقة في الجنوب، هو أن يدخل الصغير غرناطة في غياب الزغل عنها ويسيطر تماما عليها، ثم بعد أن يأخذ ملك أسبانيا ملقة فيعطيها بعد ذلك للصغير، ليصبح هو حاكما على غرناطة باسم ملك أسبانيا.
وافق الصغير على هذه الخطة، فثار في شمال غرناطة، واتجه فرناندو الثالث بجيوشه إلى ملقة، وعلى الفور توجه الزغل إلى ملقه لحرب النصارى هناك، لكنه لم يستطع أن يصمد، واستطاع النصارى أن يأخذوا ملقة منه، وهنا عاد سريعا إلى غرناطة فوجدها وقد صارت في يد ابن الأحمر الصغير.
انطلق الزغل إلى شرق غرناطة حيث منطقة تسمى وادي آش، واستقل بها وأقام فيها جزءا من مملكة، وبذلك تقلصت غرناطة في انقساماتها المتكررة إلى نصفين، والنصف بدوره إلى نصفين، فكان الوضع هو جزء في شرق غرناطة هو وادي آش وعلى رأسه الزغل، ثم جزء آخر في غرناطة على رأسه الصغير، وجزء أخير هو ملقة وقد أصبحت في يد ملك أسبانيا، ومن المفترض أن يعيدها إلى ابن الأحمر الصغير.
طلب ابن الأحمر الصغير من ملك أسبانيا أن يعيد إليه ملقة كما كان العهد والاتفاق، إلا أن ملك أسبانيا أجابه بأنه إن هو سحب جيشه منها (من ملقة)فسيطمع الزغل فيها ويأخذها منه (من الصغير)، فالحل إذن هو أن أُبقي جيوشي فيها لحمايتك.
ثم ما مرت إلا شهور حتى استرقّ ملك أسبانيا أهل ملقة جميعا (أخذهم رقيقا، وكانوا مسلمين)، ولم يرعى المعاهده التي تمت بينه وبين الصغير.

ملك أسبانيا والتداعي على باقي القصعة
كان على الساحة الآن الصغير ومعه ولاية غرناطة، والزغل ومعه وادي آش، ثم ملك أسبانيا وتحت قبضته ملقة، واستكمالا لآمال كان قد عقدها قديما، وفي سنة خمس وتسعين وثمانمائة من الهجرة انطلق ملك أسبانيا من ملقة إلى ألمرية على ساحل البحر المتوسط فاحتلها، ثم منها توجه إلى وادي آش (التي هي في يد الزغل) فاستولى عليها، وهرب الزغل منها إلى تونس، وقد ترك البلاد بما فيها من المسلمين، تماما كما هو حال ملوك هذا الزمان.
كان الوضع الآن أن حوصرت مدينة غرناطة وكل قراها ومزارعها من كل مكان بجيوش النصارى، أحاطوها من الشرق ومن الغرب ومن الشمال ومن الجنوب، فقد تداعت ملوك النصارى حول مملكة غرناطة الصغيرة والضعيفة جدا في ذلك الوقت، وقد حاصروها وأحرقوا القرى والمزارع حول حصونها، وطلبوا من الصغير أن يسلم مفاتيح المدينة، وكان ذلك في سنة خمس وتسعين وثمانمائة من الهجرة، وقبل السقوط بعامين.
حينها فقط شعر الصغير أن ما حدث من ملك أسبانيا هو خلاف ما كان يعتقده؛ فقد كان يعتقد أنه بينه وبين النصارى ولاء، وبينه وبين ملك أسبانيا تحالفات وعهود، لكن الذي حدث الآن هو أنهم ما أبقوه على كرسيّه كما وعدوه، بل طالبوه بأن يترك غرناطة ويرحل ليتولى هم أمرها، وذلك بعد إعطائه مهلة للتفكير في ذلك.

وفي هذا الأمر فكر كثيرا محمد بن الأحمر الصغير، إلا أنه لم يجد حلا سوى أن يحاربهم، فلو أطاع أمرهم واستجاب لمطلبهم ترك البلاد وترك الحكم، وهذا لا يريده ولا يقدر أن يتحمله، فاقتنع وبعد تفكير وجدال طويل مع وزرائه بأنه يجب أن يدافع عن البلد، يجب أن يدافع عن غرناطة

كان المتوقع والطبيعي بعد أن أعلن الصغير الدفاع عن غرناطة هو أنه لن تكون له قدرة ولا طاقة هو ومن معه من جيشه ووزرائه وهيئته الحاكمة على الحرب أو الدفاع، فقامت في غرناطة في ذلك الوقت انتفاضة إسلامية قوية، وعلى رأسها رجل يُسمى موسى بن أبي غسّان، فكان أن حرّك الجهاد في قلوب الناس، وبدأ يحمسهم على الموت في سبيل الله وعلى الدفاع عن بلدهم وهويتهم، فاستجاب له الشعب وتحرك للدفاع عن غرناطة.

وطيلة سبعة أشهر كاملة ظل أصحاب الانتفاضة في دفاعهم عن حصون غرناطة ضد الهجمات النصرانية الشرسة، وفي ذات الوقت كان محمد بن الأحمر الصغير ينظر إلى الأمور ويستطلعها من بعيد حال الواقف المتفرج، ولم يستطع أن يفعل شيئا، يريد ويتمنى أن يجد حلا أو مخرجا يستر به ماء وجهه لكنه لا يجد.
وبعد سبعة أشهر يجد الصغير بريق أمل كان قد تمنى مثله، حيث أرسل فرناندو الثالث وإيزابيلا رسالة إليه يطلبان فيها أن يسلم غرناطة لهما على أن يضمنوا له ولقومه ولجيشه الأمان، وفي مقابل أكثر من سبعين شرطا يضمن له فيها البقاء.
كان من بين هذه الضمانات وتلك الشروط أن تُترك المساجد، ولا تُدخل الديار، ويُطلق الأسرى، وتُؤمّن الأعراض والأموال، ويوضع عبد الله بن الصغير كأحد الوزراء المعاونين لملك أسبانيا.

الصغير وكبح الانتفاضة
كان قد فهم مغزى الرسالة السابقة موسى بن أبي غسّان الرجل الذي قاد الانتفاضة في بلاد غرناطة وعلم أنها محاولة لوقف الانتفاضة، ووقف الدفاع عن البلاد، ووقف الحميّة للجهاد، ووقف حميّة الناس للموت في سبيل الله، لكن محمد الصغير لم يفهم هذا المغزى، فوافق على هذه الشروط، وذلك بعد أن وجد فيها حلا مناسبا للخروج من المأزق الذي هو فيه؛ إذ كان يرفض الجهاد، ويرفض الحرب، ويريد أن يبقى حيا حتى وإن ظل ذليلا،من هنا وافق الصغير على هذه المعاهدة، إلا أنه وخوفا من الخيانة المعهودة، وحرصا على حياة أبدية وسرمدية، ونجاة بنفسه من نهاية لا يحمد عقباها، اشترط لنفسه شرطين هما
أولا أن يقوم فرناندو وإيزابيلا بالقسم على هذه العهود، فاستُجيب له، وأقسما الملكان له.
ثانيا أن تحكم في هذه المعاهدة هيئة معينة، تضمن تطبيقها بالصورة السليمة، وبعد أن نظر في دول العالم لم يجد من يحترم ملك أسبانيا رأيه إلا البابا في إيطاليا، فألزم أن يوقّع البابا على هذه المعاهدة، ولا ضير، فوقّع البابا عليها.
وبعدها اتجه الصغير ليسلم مفاتيح مدينة غرناطة، ويوقف حركة الجهاد في البلد في مقابل أن يعطوه الأمان كما ذكروا، وذلك بعد أن وقّع له بابا روما، وأقسم على هذه العهود فرناندو وإيزابيلا.

موسى بن أبي غسّان وعملية استشهاديّة
في رد فعل طبيعي وصريح له حيال ما حدث وقف موسى بن أبي غسّان رحمه الله في قصر الحمراء ثم خطب خطبة مهيبة قال فيها
لا تخدعوا أنفسكم ولا تظنوا أن النصارى سيوفون بعهدهم، ولا تركنوا إلى شهامة مَلِكِهم؛ إن الموت أقل ما نخشى (يريد أن هناك ما هو أصعب من الموت)؛ فأمامنا نهب مدننا وتدميرها، وتدنيس مساجدنا، وتخريب بيوتنا، وهتك نسائنا وبناتنا، وأمامنا الجور الفاحش والتعصب الوحشي، والسياط والأغلال، وأمامنا السجون والأنطاق والمحارق، أما أنا فوالله لن أراه.
يريد موسى بن أبي غسّان أنه لن يرى كل هذا الذُلّ الذي سيحل بالبلاد جراء هذا التخاذل والتقاعس، أما أنا فسأموت الموت الشريف.
ثم غادر المجلس وذهب إلى بيته ولبس سلاحه وامتطى جواده، وانطلق يقابل سريّة من سرايا النصارى.
وبمفرده يقابل موسى بن أبي غسّان خمس عشرة رجلا من النصارى، فيقتل معظمهم ثم يُقتل هو في سبيل الله رحمه الله.

انتهاء عصر الدولة الإسلامية في الأندلس

كان مقتل موسى بن أبي غسّان وتسليم ابن الأحمر الصغير غرناطة إيذانا بانتهاء عصر الدولة الإسلامية في مملكة غرناطة.
أعطى أبو عبد الله محمد الصغير الموافقة بالتسليم للملكين فرناندو الثالث وإيزابيلا، ولم ينس أن يرسل إليهما بعضا من الهدايا الخاصة، وفي خيلاء يدخل الملكان قصر الحمراء الكبير ومعهما الرهبان، وفي أول عمل رسمي يقومون بتعليق صليب فضي كبير فوق برج القصر الأعلى، ويُعلن من فوق هذا البرج أن غرناطة أصبحت تابعة للملكين الكاثوليكيين، وأن حكم المسلمين قد انتهى من بلاد الأندلس.
وفي نكسة كبيرة وذل وصغار يخرج أبو عبد الله بن محمد بن الأحمر الصغير من القصر الملكي، ويسير بعيدا في اتجاه المغرب، حتى وصل إلى ربوة عالية تُطل على قصر الحمراء يتطلع منها إليه وإلى ذاك المجد الذي قد ولّى، وبحزن وأسى قد تبدّى عليه لم يستطع فيه الصغير أن يتمالك نفسه، انطلق يبكي حتى بللت دموعه لحيته، حتى قالت له أمه عائشة الحرة:
أجل، فلتبك كالنساء مُلْكا لم تستطع أن تدافع عنه كالرجال
وإلى هذه اللحظة ما زال هذا التل الذي وقف عليه أبو عبد الله بن محمد الصغير ما زال موجودا في أسبانيا، وما زال الناس يذهبون إليه، يتأملون موضع هذا المَلِك الذي أضاع مُلكا عظيما كان قد أسسه الأجداد، ويعرف (هذا التل) بـ زفرة العربي الأخيرة، وهو بكاء أبي عبد الله محمد الصغير حين ترك ملكه.
وقد تم ذلك في الثاني من شهر ربيع الأول، لسنة سبع وتسعين وثمانمائة من الهجرة، الموافق الثاني من يناير، لسنة اثنتين وتسعين وأربعمائة وألف من الميلاد.
وقد هاجر بعدها أبو عبد الله بن محمد الصغير إلى بلاد المغرب، وهناك اعتقله ملكها بتهمة الخيانة لبلاد المسلمين، ثم وضعه في سجنه، وكما يقول المؤرخون فقد شوهد أولاده (أولاد أبي عبد الله بن محمد الصغير) بعد ذلك بسنوات وسنوات يشحذون في شوارع المغرب.
فلعنة الله على هذا الذُلّ، ولعنة الله على هذا التَرْك للجهاد اللذَيْن يوصلان إلى هذا المثوى وتلك المنزلة.
وما كان من أمر، فقد اندثرت حضارة ما عرفت أوروبا مثلها من قبل، إنها حضارة الدنيا والدين، وقد انطوت صفحة عريضة خسر العالم أجمع بسببها الكثير والكثير، وقد ارتفع علم النصرانية فوق صرح الإسلام المغلوب، وأفل وإلى الآن نجم دولة الإسلام في بلاد الأندلس.
وليت شعري، أين موسى بن نصير؟ أين طارق بن زياد؟ أين يوسف بن تاشفين؟ أين عبد الرحمن الداخل وعبد الرحمن الناصر؟ أين أبو بكر بن عمر اللمتوني؟ أين يعقوب المنصور المُوَحدي؟ أين يعقوب المنصور الماريني؟ أين كل هؤلاء؟ غابوا وانقطعت آثارهم وإمداداتهم.
كالعادة ولطبيعة جُبلت نفوسهم عليها، وبعد أن ترك أبو عبد الله بن محمد الصغير البلاد، لم يوف النصارى بعهودهم مع المسلمين، بل تنكّروا لكلامهم، وأغفلوا شروطهم السبعين، وقد أهانوا المسلمين بشدة، وصادروا أموالهم} .
وبعد تسع سنوات من سقوط غرناطة، وفي سنة إحدى وخمسمائة وألف من الميلاد أصدر الملكان فرناندو الثالث وإيزابيلا أمرا كان خلاصته أن الله قد اختارهما لتخليص الأندلس من الكفرة (يقصدان المسلمين)، ولذلك يحظر وجود المسلمين في بلاد الأندلس، ويعاقب من يخالف ذلك بالقتل.
ومن هذا المنطلق قام النصارى بعدة أمور، كان منها:
أولا: التهجير
هجر المسلمون بلاد الأندلس بالكلية، هجروها إلى بلاد المغرب والجزائر، وإلى تونس وغيرها من بلاد المسلمين.
ثانيا: التنصير
ولكي يعيش آخرون في بلاد الأندلس في ظل حكم النصارى الأسبان، تَنَصّر من المسلمين آخرون، وهؤلاء لم يرتض لهم النصارى الأسبان حتى بالنصرانية، فلم يتركوهم دون إهانة، وقد سمّوهم بالمُورِسْكِيين احتقارا لهم وتصغيرا من شأنهم، فلم يكن المُورِسْكِي نصرانيا من الدرجة الأولى، لكنه كان تصغيرا لهذا النصراني الأصيل.
ثالثا: محاكم التفتيش
لم يقف الأمر عند حد التهجير والتنصير، وإنما تلى ذلك أن قام رئيس الأساقفة الأسباني كان يُدعى كِنِّيس وكان صليبيا حاقدا قام بحرق ثمانين ألف كتاب إسلامي من مكتبة قرطبة وأشبيلية وغرناطة في يوم واحد.
وهو نفسه الذي قام بعد ذلك بما سُمّي في التاريخ بمحاكم التفتيش؛ وذلك للبحث عن المسلمين الذين ادّعوا النصرانية وأخفوا الإسلام، فكانوا إذا وجدوا رجلا يدّعي النصرانية ويخفي إسلامه، كأن يجدوا في بيته مصحفا، أو يجدوه يصلي، أو كان لا يشرب خمرا، أقاموا عليه الحدود المغلظة، فكانوا يلقون بهم في السجون، ويعذبونهم عذابا لا يخطر على بال بشر، فكانوا يملأون بطونهم بالماء حتى الاختناق، وكانوا يضعون في أجسادهم أسياخا محمية، وكانوا يسحقون عظامهم بآلات ضاغطة، وكانوا يمزقون الأرجل ويفسخون الفك، وكان لهم توابيت مغلقة بها مسامير حديدية ضخمة تنغرس في جسم المعذب تدريجيا، وأيضا أحواض يقيّد فيها الرجل ثم يسقط عليه الماء قطرة قطرة حتى يملأ الحوض ويموت.
كانوا أيضا يقومون بدفنهم أحياء، ويجلدونهم بسياط من حديد شائك، وكانوا يقطعون اللسان بآلات خاصة.
كل هذه الآلات الفتاكة وغيرها شاهدها جنود نابليون حين فتحوا أسبانيا بعد ذلك، وقد صوروها في كتاباتهم، وعبروا عن شناعتها بأنهم كانوا يصابون بالغثيان والقيء، بل والإغماء من مجرد تخيل أن هذه الآلات كان يُعذّب بها بشر، وقد كان يُعذّب بها مسلمون.










التاريخ القديم

يعود تاريخ النمسا إلى القرن الثاني قبل الميلاد حيث كانت هناك مملكة النوريكوم .في عام 15 قبل الميلاد استولت دولة الروم في عهد القيصر آوكوستوس على الأراضي النمساوية ومنذ ذلك الحين يعود كثير من مدن النمسا إلى عصر الرومان مثل فيينا و التي كانت أسمها ( فيندوبونا)، سالسبورج (يو فافوم) وغيرها .

وبعد وفاة القيصر الروماني مارك أوري في سنة 180 بعد الميلاد في فيينا ، أنتهي العصر الروماني بالنمسا حيث انسحبت الروم وتركتها للجرمانيين ( الألمان ) حيث انتشرت الحملة الصليبية في البلاد من المبشرين القادمين من أيرلندا و شوتلاند ،ويعود تاريخ أكبر مركز رهباني في سالسبورج ( سانت بينرس ) إلى هذا العهد .

تعليمية

تشكل الدولة النمساوية

وقد حكمت هذه المنطقة في القرن التاسع عشر عائلة ( بابين بيرج )، وكانت أول الوثائق التاريخية التي ذُكرت فيها النمسا هي في عام 996 م تحت أسم (اوستاريشي) وذلك في عهد ليوبولد الأول من عائلة ( بابين بيرج).

وما بين عام 1080 و 1136 ميلادي وخاصة في عهد ليوبولد الثالث و الذي كان يتخذ من مدينة كلوستر نيبورج مركز لحُكمه وصلت النمسا في ذلك الوقت إلى عصر مزدهر.

وفي عصر الحروب الصليبية أشترك ليوبولد الخامس و ليوبولد السادس في هذه الحروب ، في عام 1246 ميلادي يسقط أخر عضو من حاشية بابين بيرج وهو فريدريخ الثاني وينتهي بذلك عصر عائلة بابين بيرج.

تعليمية

عهد الهبسبورج

يبدأ بعد ذلك عهد عائلة الهابسبورج حيث يستلم في عام 1273 رودولف فون هابسبورج زمام الحكم وكملك على ألمانيا ، وفي عصر رودولف الرابع 1363 تعيش النمسا نهضة حضارية ومعمارية كبيرة حيث تبنى الجامعة في فيينا عام 1365 وهي الآن أقدم جامعة في البلاد الناطقة بالغة الألمانية ، وكذلك تم بناء كنيسة شتيفان دوم . ومن خلال حروب الهابسبورج مع البوهيميين و المجر حصلت النمسا على عرش هاتين الدولتين في عام 1526 و أصبحت بذلك قوى عظمى وكان هذا في عصر مكسيميليان الذي استطاع تطوير النمسا من دولة متأخرة إلى دولة لها مؤسستها المتطورة.

تعليمية

الصراع مع العثمانيين

وفي نفس العام 1526 احتل السلطان سليمان الثاني مدينة بودابست وفي عام 1529 وصل السلطان سليمان إلى أبواب فيينا و لكنه ترك حصارها بعد وقت قصير و حصاره لفيينا الثاني كان عام 1532 وكنه لم يكن متوج بالنجاح ، ولكن بعد معارك طاحنة في المجر مع الأتراك عام 1547 تم توقيع اتفاقية هدنة بين النمسا و الإمبراطورية العثمانية ، وكان على فرديناند الإمبراطور النمساوي دفع الجزية إلى العثمانيين وكان وقتها 30 ألف دوكتا سنوياً .

ولقد كان في عهد فرديناند تطوير المؤسسات الحكومية إلى حكومات مركزية و التي بقيت سارية المفعول حتى منتصف القرن التاسع عشر ، وكذلك أنتشر المذهب البروتستانتي المسيحي في النمسا و التي كانت في ذلك الحين كاثوليكية المذهب .

وفي عام 1618 اندلعت الثورة البوهيمية ضد إمبراطورية الهابسبورج و التي عرفت بحرب الثلاثين عاماً لأنها دامت إلى عام 1648 و انتهت بمعاهدة فيستفال في عثر فرديناند الثالث .

في عام 1683 حاصر الأتراك فيينا للمرة الثانيةولكن استطاع جراف شتارهمبرج في معركة فيينا عند جبل الكالينبرج رد الأتراك . وفي عام 1686 استردوا بودابست من الدولة العثمانية بعد 145 عام من السيطرة العثمانية على بودابست .

تعليمية

تشكل الإمبراطورية النمساوية

بعد موت كارل السادس تولت أبنته ماريا تيريزيا الإمبراطورية النمساوية من عام 1740 إلى 1780 و تعتبر ماريا تيريزيا من أهم الشخصيات في تاريخ النمسا لأنها بدأت حملة تجديد واسعة حيث جعلت أمور التعليم من واجبات الدولة وهكذا أنشأت أول المدارس الابتدائية كما أنشأت أيضاً ميزانية التعليم،والمنهج الطبي الفييباوي من فانسويتن الذي كان طبيب ماريا تيريزيا.بعد وفاة زوج ماريا تيريزا شارك أبنها الأكبر جوزيف الثاني بالحكم وكان هذا في عام 1765 وكان من المعروف أن حُكام النمسا في ذلك الوقت هم حُكام ألمانيا ،حيث اصبح هو أيضا إمبراطورا لألمانيا.وقد تابع جوزيف الثاني الجهود لتحديث الإمبراطورية النمساوية حيث وضعت قوانين الحرية الدينية مما حسن من وضع اليهود آنذاك ، و قوانين الرعاية الصحية و الاجتماعية وفي عصره أنشأت المستشفى العامة الجامعية و التي كانت من أكبر مستشفيات العالم .

وبعد وفاة جوزيف الثاني جاء أخوه ليوبولد الثاني عام 1790 .وكانت فيينا بذلك الوقت عاصمة العالم الموسيقية من خلال هايدن موتسارت و بيتهوفين في اواخر القرن .

وفي عام 1789 قامت الثورة الفرنسية و قبل أن تتخذ النمسا خطوات رد الفعل ضد فرنسا خوفا منها ، مات ليوبولد الثاني و أستلم أبنه زمام الحكم .

ومن خلال اجتياح نابليون لأوروبا وصلت جيوشه إلى النمسا في عام 1809ولكن الجيوش النمساوية هزمته في معركة أسبرن ، ولكن الجيش الفرنسي استطاع الانتصار عليهم في معركة بمارخ فيلد في نفس العام ، وبذلك بدأ عصر نابليون بالنمسا ومن نتائج هذه الهزيمة أن نابليون فصل جزء من النمسا الجنوبية وشكل منها دولة الهيرين وهي يوغوسلافيا ، وبذلك فقدت النمسا حدودها البحرية . .

وفي عام 1810 كان الأمير ميترنيخ متولي الأمور الدبلوماسية و استطاع أن يخفف من حدة الصراع مع نابليون بتدبير زواجه من الدوقة الكبيرة ماري لويز ابنة الإمبراطور النمساوي فرانس الأول .

وبعد هزيمة نابليون في معركة لايبزيخ 1813 استعادة النمسا السيادة على أراضيها من جديد ثم بعد ذلك معاهدة فيينا عام 1815 لإعادة تنظيم أوروبا .

وفي عام 1848 قامت الثورة من الطلاب و العمال و الأمراء ، وأدت هذه الثورة إلى تغير كبير حيث أنشأ مجلس الدولة ( البرلمان النمساوي الأول ) في هذه السنة أستلم فرانس يوسف الإمبراطورية وفي عام 1849 أنشأت السكة الحديدية .وأسست فصائل الجاندارم. عام 1866 حروب النمسا مع روسيا و إيطاليا في معارك كونيكسكريتس و كستوزا و ليسا ، ثم خروج النمسا من الحلف الألماني ، عام 1867 التسوية مع المجر و وضع أسس لحقوق المواطنين .

1869 الخدمة العسكرية الإجبارية العامة ، وقانون التعليم الإجباري العام . 1889 انتحار ولي عهد النمسا رودولف وتعيين ولي العهد الدوق الأكبر فرانس فرديناند.

في عام 1907 حق الانتخاب العام ، وفي عام 1908 ضمت النمسا إلى الإمبراطورية أراضي سلوفينيا ،وكان لهذا دور كبير في تطور الأمور في البلقان حيث حقدت الصرب على النمسا.

تعليمية

الحرب الاولى

وفي عام 1914 اغتيل ولي عهد النمسا فرانس فرديناند في سراييفو من أحد الصرب الحاقدين ، والذي بسببها اندلعت الحرب العالمية الأولى من عام 1914-1918 ،وفي عام 1916 توفى الإمبراطور فرانس يوسف واستلم كارل الأول الإمبراطورية النمساوية.

عام 1918 عند انتهاء الحرب العالمية الأولى أعلنت براغ الجمهورية التشكوسلوفاكية وبعدها استقال الإمبراطور كارل الأول وأعلنت الجمهورية النمساوية (الأولى) أيضاً في عام 1918 وتوفي كارل في عام 1922 في جزيرة ماديرا وكان هذا أخر إمبراطور للنمسا.

تعليمية

الجمهورية الأولى

بعد انتهاء الحرب العالمية الأولى وهزيمة النمسا حددت دول الإتلاف المنتصرة في مؤتمر جرمان 1919 حدود النمسا الجديدة (الحالية)، وفي 1920 وضع القانون الجديد للجمهورية، وإلى عام 1932 توالت عدة حكومات برئاسة المسيحيين الاشتراكيين بينما بقي الحزب الاشتراكي الديمقراطي بزعيمه أوتوباور في المعارضة.

1932 استلم أنكلبرت دولفوس الحكم ومارس حكماً ديكتاتوريا من ناحية ومن ناحية أخرى كان ضد سياسة هتلر مما أدى إلى محاولة انقـلاب من الوطـنيون الاشـتراكيون ( النازيون) عام 1934 و تم اغتيال دولفوس وفشل الانقلاب. المستشار كورت شوشنيك يخلف دولفوس كمستشار للحكومة النمساوية.

عام 1938 دخول القوات الألمانية النمسا وضم النمسا إلى الرايخ الألماني ، وخاضت النمسا الحرب العالمية الثانية مجبرة مع ألمانيا ، وفي نهاية الحرب العالمية الثانية وهزيمة هتلر دخلت قوات الحلفاء إلى النمسا عام 1945 وفي 27/4/1945 تكونت الجمهورية النمساوية ( الثانية ) بزعامة الدكتور كارل رينر، ولكنها كانت تحت سيطرة الحلفاء ( أمريكا ، روسيا ، فرنسا، إنجلترا ).

تعليمية

الجمهورية الثانية

وفي عام 1955 و بعد أكثر من 300 جلسة عقدها وزراء خارجية الحلفاء يقوم وفد حكومي نمساوي رفيع المستوى مؤلف من مستشار الحكومة النمساوية حينذاك يوليوس راب ونائبه أودلوف شارف ووزير الدولة كرايسكي بعقد مباحثات مع الحكومة السوفيتية بمقتضى ما يسمى بـ( مذكرة موسكو ) على الموافقة المبدئية للحكومة السوفيتية على معاهدة الدولة.

توقيع معاهدة الدولة من جانب الدول العظمى والنمسا في قصر البيلفيدير يوم 15/5/1955 مع تأكيد حظر انضمام النمسا إلى ألمانيا، و وافق البرلمان على قانون الحياد في 26أكتوبر1955، وأصبح هذا اليوم هو العيد الوطني للنمسا.

وفي نفس العام تم افتتاح دار الأوبرا وكان هذا رمزاً واضحاً للانتهاء من إعادة بناء البلاد ثم دخول النمسا كعضو في منظمة الأمم المتحدة ، وفي عام 1956 دخول النمسا كعضو في المجلس الأوروبي.

1966-1970 انتهاء النظام السياسي السالف للحكومات الائتلافية وحكومات انتخاب التمثيل النسبي، حكومة كلاوس للأغلبية المطلقة ( حزب الشعب النمساوي ) .اعتبارا من 1973 بدأ عصر الحكومات الاشتراكية التي بدأها كرايسكي الذي جعل السياسة الخارجية محورا أساسيا، وادخل العرب إلى ساحة السياسة العالمية وخاصة رؤيته الحكيمة الصحيحة للقضية الفلسطينية.

1979 أصبحت مدينة فيينا ثالث مقر من مقرات الأمم المتحدة




لمحات من تاريخ النمسا

تعليمية

التاريخ القديم

يعود تاريخ النمسا إلى القرن الثاني قبل الميلاد حيث كانت هناك مملكة النوريكوم .في عام 15 قبل الميلاد استولت دولة الروم في عهد القيصر آوكوستوس على الأراضي النمساوية ومنذ ذلك الحين يعود كثير من مدن النمسا إلى عصر الرومان مثل فيينا و التي كانت أسمها ( فيندوبونا)، سالسبورج (يو فافوم) وغيرها .
وبعد وفاة القيصر الروماني مارك أوري في سنة 180 بعد الميلاد في فيينا ، أنتهي العصر الروماني بالنمسا حيث انسحبت الروم وتركتها للجرمانيين ( الألمان ) حيث انتشرت الحملة الصليبية في البلاد من المبشرين القادمين من أيرلندا و شوتلاند ،ويعود تاريخ أكبر مركز رهباني في سالسبورج ( سانت بينرس ) إلى هذا العهد .

تشكل الدولة النمساوية

وقد حكمت هذه المنطقة في القرون العاشر والحادى عشروالثاني عشروالثالث عشرعائلة ( بابين بيرج )، وكانت أول الوثائق التاريخية التي ذُكرت فيها النمسا هي في عام 996 م تحت أسم (اوستاريشي) وذلك في عهد ليوبولد الأول من عائلة ( بابين بيرج).
وما بين عام 1080 و 1136 ميلادي وخاصة في عهد ليوبولد الثالث و الذي كان يتخذ من مدينة كلوستر نيبورج مركز لحُكمه وصلت النمسا في ذلك الوقت إلى عصر مزدهر.
وفي عصر الحروب الصليبية أشترك ليوبولد الخامس و ليوبولد السادس في هذه الحروب ، في عام 1246 ميلادي يسقط أخر عضو من حاشية بابين بيرج وهو فريدريخ الثاني وينتهي بذلك عصر عائلة بابين بيرج.

عهد الهابسبورج

يبدأ بعد ذلك عهد عائلة الهابسبورج حيث يستلم في عام 1273 رودولف فون هابسبورج زمام الحكم وكملك على ألمانيا ، وفي عصر رودولف الرابع 1363 تعيش النمسا نهضة حضارية ومعمارية كبيرة حيث تبنى الجامعة في فيينا عام 1365 وهي الآن أقدم جامعة في البلاد الناطقة بالغة الألمانية ، وكذلك تم بناء كنيسة شتيفان دوم . ومن خلال حروب الهابسبورج مع البوهيميين و المجر حصلت النمسا على عرش هاتين الدولتين في عام 1526 و أصبحت بذلك قوة عظمى وكان هذا في عصر مكسيميليان الذي استطاع تطوير النمسا من دولة متأخرة إلى دولة لها مؤسستها المتطورة.

الصراع مع العثمانيين

وفي نفس العام 1526 احتل السلطان سليمان الثاني الجزء الشرقى من مدينة (بودابست) المسمى (بست) وفي عام 1529 وصل السلطان سليمان إلى أبواب فيينا و لكنه ترك حصارها بعد وقت قصير و حصاره لفيينا الثاني كان عام 1532 ولكنه لم يكن متوج بالنجاح ، و فى عام 1541 استطاع العثمانيون احتلال كامل مدينة (بودابست) بجزئيها الشرقى و الغربى ، ولكن بعد معارك طاحنة في المجر مع الأتراك عام 1547 تم توقيع اتفاقية هدنة بين النمسا و الإمبراطورية العثمانية ، وكان على فرديناند الإمبراطور النمساوي دفع الجزية إلى العثمانيين وكانت وقتها 30 ألف دوكتا سنوياً .
ولقد كان في عهد فرديناند تطوير المؤسسات الحكومية إلى حكومات مركزية و التي بقيت سارية المفعول حتى منتصف القرن التاسع عشر ، وكذلك أنتشر المذهب البروتستانتي المسيحي في النمسا و التي كانت في ذلك الحين كاثوليكية المذهب .
وفي عام 1618 اندلعت الثورة البوهيمية ضد إمبراطورية الهابسبورج و التي عرفت بحرب الثلاثين عاماً لأنها دامت إلى عام 1648 و انتهت بمعاهدة فيستفال في عصر فرديناند الثالث .
في عام 1683 حاصر الأتراك فيينا للمرة الثالثةولكن استطاع جراف شتارهمبرج في معركة فيينا عند جبل الكالينبرج رد الأتراك . وفي عام 1686 استردوا بودابست من الدولة العثمانية بعد 145 عام من السيطرة العثمانية عليها .

تشكل الإمبراطورية النمساوية

بعد موت كارل السادس تولت أبنته ماريا تيريزا الإمبراطورية النمساوية من عام 1740 إلى 1780 و تعتبر ماريا تيريزا من أهم الشخصيات في تاريخ النمسا لأنها بدأت حملة تجديد واسعة حيث جعلت أمور التعليم من واجبات الدولة وهكذا أنشأت أول المدارس الابتدائية كما أنشأت أيضاً ميزانية التعليم،والمنهج الطبي الفييباوي من فانسويتن الذي كان طبيب ماريا تيريزا.بعد وفاة زوج ماريا تيريزا شارك أبنها الأكبر جوزيف الثاني بالحكم وكان هذا في عام 1765 وكان من المعروف أن حُكام النمسا في ذلك الوقت هم حُكام ألمانيا ،حيث اصبح هو أيضا إمبراطورا لألمانيا.وقد تابع جوزيف الثاني الجهود لتحديث الإمبراطورية النمساوية حيث وضعت قوانين الحرية الدينية مما حسن من وضع اليهود آنذاك ، و قوانين الرعاية الصحية و الاجتماعية وفي عصره أنشأ المستشفى العام الجامعي و الذي كان من أكبر مستشفيات العالم .
وبعد وفاة جوزيف الثاني جاء أخوه ليوبولد الثاني عام 1790 .وكانت فيينا بذلك الوقت عاصمة العالم الموسيقية من خلال هايدن موتسارت و بيتهوفين في اواخر القرن .
وفي عام 1789 قامت الثورة الفرنسية و قبل أن تتخذ النمسا خطوات رد الفعل ضد فرنسا خوفا منها ، مات ليوبولد الثاني و أستلم أبنه زمام الحكم .
ومن خلال اجتياح نابليون لأوروبا وصلت جيوشه إلى النمسا في عام 1809ولكن الجيوش النمساوية هزمته في معركة أسبرن ، ولكن الجيش الفرنسي استطاع الانتصار عليهم في معركة بمارخ فيلد في نفس العام ، وبذلك بدأ عصر نابليون بالنمسا . ومن نتائج هذه الهزيمة أن نابليون فصل جزء من النمسا الجنوبية وشكل منها دولة الهيرين وهي يوغوسلافيا ، وبذلك فقدت النمسا حدودها البحرية . .
وفي عام 1810 كان الأمير ميترنيخ متولي الأمور الدبلوماسية و استطاع أن يخفف من حدة الصراع مع نابليون بتدبير زواجه من الدوقة الكبيرة ماري لويز ابنة الإمبراطور النمساوي فرانس الأول .
وبعد هزيمة نابليون في معركة لايبزيخ 1813 استعادة النمسا السيادة على أراضيها من جديد ثم بعد ذلك معاهدة فيينا عام 1815 لإعادة تنظيم أوروبا .
في عام 1848 قامت الثورة من الطلاب و العمال و الأمراء ، وأدت هذه الثورة إلى تغير كبير حيث أنشأ مجلس الدولة ( البرلمان النمساوي الأول ) . في هذه السنة أستلم فرانس يوسف الإمبراطورية وفي عام 1849 أنشأت السكك الحديدية .وأسست فصائل الجاندارم. عام 1866 حروب النمسا مع روسيا و إيطاليا في معارك كونيكسكريتس و كستوزا و ليسا ، ثم خروج النمسا من الحلف الألماني ، عام 1867 التسوية مع المجر و وضع أسس لحقوق المواطنين .
1869 الخدمة العسكرية الإجبارية العامة ، وقانون التعليم الإجباري العام . 1889 انتحار ولي عهد النمسا رودولف وتعيين ولي العهد الدوق الأكبر فرانس فرديناند.
في عام 1907 حق الانتخاب العام ، وفي عام 1908 ضمت النمسا إلى الإمبراطورية أراضي سلوفينيا ،وكان لهذا دور كبير في تطور الأمور في البلقان حيث حقدت الصرب على النمسا.

الحرب الاولى

وفي عام 1914 اغتيل ولي عهد النمسا فرانس فرديناند في سراييفو من أحد الصرب الحاقدين ، والذي بسببها اندلعت الحرب العالمية الأولى من عام 1914-1918 ،وفي عام 1916 توفى الإمبراطور فرانس يوسف واستلم كارل الأول الإمبراطورية النمساوية.
عام 1918 عند انتهاء الحرب العالمية الأولى أعلنت براغ الجمهورية التشكوسلوفاكية وبعدها استقال الإمبراطور كارل الأول وأعلنت الجمهورية النمساوية (الأولى) أيضاً في عام 1918 وتوفي كارل في عام 1922 في جزيرة ماديرا وكان هذا أخر إمبراطور للنمسا.

الجمهورية الأولى

بعد انتهاء الحرب العالمية الأولى وهزيمة النمسا حددت دول الإتلاف المنتصرة في مؤتمر جرمان 1919 حدود النمسا الجديدة (الحالية)، وفي 1920 وضع القانون الجديد للجمهورية، وإلى عام 1932 توالت عدة حكومات برئاسة المسيحيين الاشتراكيين بينما بقي الحزب الاشتراكي الديمقراطي بزعيمه أوتوباور في المعارضة.
1932 استلم أنكلبرت دولفوس الحكم ومارس حكماً ديكتاتوريا من ناحية ومن ناحية أخرى كان ضد سياسة هتلر مما أدى إلى محاولة انقـلاب من الوطـنيون الاشـتراكيون ( النازيون) عام 1934 و تم اغتيال دولفوس وفشل الانقلاب. المستشار كورت شوشنيك يخلف دولفوس كمستشار للحكومة النمساوية.
عام 1938 دخول القوات الألمانية النمسا وضم النمسا إلى الرايخ الألماني ، وخاضت النمسا الحرب العالمية الثانية مجبرة مع ألمانيا ، وفي نهاية الحرب العالمية الثانية وهزيمة هتلر دخلت قوات الحلفاء إلى النمسا عام 1945 وفي 27/4/1945 تكونت الجمهورية النمساوية ( الثانية ) بزعامة الدكتور كارل رينر، ولكنها كانت تحت سيطرة الحلفاء ( أمريكا ، روسيا ، فرنسا، إنجلترا ).

الجمهورية الثانية

وفي عام 1955 و بعد أكثر من 300 جلسة عقدها وزراء خارجية الحلفاء يقوم وفد حكومي نمساوي رفيع المستوى مؤلف من مستشار الحكومة النمساوية حينذاك يوليوس راب ونائبه أودلوف شارف ووزير الدولة كرايسكي بعقد مباحثات مع الحكومة السوفيتية بمقتضى ما يسمى بـ( مذكرة موسكو ) على الموافقة المبدئية للحكومة السوفيتية على معاهدة الدولة.
توقيع معاهدة الدولة من جانب الدول العظمى والنمسا في قصر البيلفيدير يوم 15/5/1955 مع تأكيد حظر انضمام النمسا إلى ألمانيا، و وافق البرلمان على قانون الحياد في 26أكتوبر1955، وأصبح هذا اليوم هو العيد الوطني للنمسا.
وفي نفس العام تم افتتاح دار الأوبرا وكان هذا رمزاً واضحاً للانتهاء من إعادة بناء البلاد ثم دخول النمسا كعضو في منظمة الأمم المتحدة ، وفي عام 1956 دخول النمسا كعضو في المجلس الأوروبي.

1966-1970 انتهاء النظام السياسي السالف للحكومات الائتلافية وحكومات انتخاب التمثيل النسبي، حكومة كلاوس للأغلبية المطلقة ( حزب الشعب النمساوي ) .اعتبارا من 1973 بدأ عصر الحكومات الاشتراكية التي بدأها كرايسكي الذي جعل السياسة الخارجية محورا أساسيا، وادخل العرب إلى ساحة السياسة العالمية وخاصة رؤيته الحكيمة الصحيحة للقضية الفلسطينية.
1979 أصبحت مدينة فيينا ثالث مقر من مقرات الأمم المتحدة.

تعليمية




تاريخ اسبانيا
ما قبل التاريخ

نجد في شبه الجزيرة الإيبيرية العديد من المواقع الأثرية ذات الشهرة العالمية وتشير الأبحاث إلى حضور الإنسان منذ العصر الحجري القديم الأسفل (مواقع أورثي، بينادو، أريدش، طورألبا، أمبرونة، أتابواركا). خلال العصر الحجري القديم الأعلى ترك السولوتري الإسباني بعض الآثار في كهف باراباليو ويعرض موقع ألتاميرا عينة من الفنون الجدارية التي تعود على 12.000 سنة ق.م.

ظهرت خلال العصر الحجري الحديث ثقافات خاصة تدل عليها الأواني الجرسية الشكل التي عثر عليها قرب المرية (حضارة أرغار). من العصر الحجري الأعلى يمكن ذكر رسوم الكهوف الموجودة في التاميرا، ومن العصر الحجري القديم نستطيع التعرف على رسم كوجول (الرسم التصويري) ومن العصر الحجري الحديث يمكن ملاحظة الأرجار والكاس الذي يشبه شكل الناقوس.

*****

التاريخ القديم

وصل الأيبيريون إلى شبه الجزيرة في نهايات العصر الحجري الحديث وبداية العصر البرونزي (2000-1500 قبل الميلاد) وقد قبعوا في الجنوب والجنوب الشرقي من شبه الجزيرة . وبعد ذلك جاء في أعقابهم جنس آخر يعرف باسم السلتيون الذين احتلوا منطقة الشمال وغرب شبه الجزيرة الأيبيرية. وعندما اتحد الشعبان عرفوا بعد ذلك باسم السلت الأيبيريين. وأيضا وحتى القرن العاشر قبل الميلاد وصلت الشعوب الجرمانية والغالية والفينيقيون وكذلك شعوب الإغريق والقرطاجيين[1].

*****

الإيبيريون، الإيبيريون السلت، الفينيقيون والإغريق

الإيبيريون هم السكان الأصليون لشبه الجزيرة الإيبيرية التي سميت بإسمهم حسب كثير من المصادر المكتوبة ولا تعرف أصولهم بالتحديد ولكن يغلب الظن على أنهم ليسوا من الشعوب الهندوسية الإيبيرية. هاجر السلت لاحقا إلى شبه الجزيرة واختلطوا بالسكان الأصليين.

*****

القرطاجيون

بعد الحرب البونيقية الأولى (264ق.م 240 ق.م) وسع القرطاجيون نفوذهم إنطلاقا من قرطاجنة أو قرطاج الجديدة في شبه الجزيرة الإيبيرية وساهم الاستغلال المكتف للمناجم في استرجاع قرطاج لقوتها الإقتصادية و السياسية. وكان سبب اندلاع الحرب البونيقية الثانية حصار الجيش القرطاجي لمدينة ساجونتا التي كانت حليفة لروما.

*****

الرومانيون

سيطر الرومان على شبه الجزيرة الإيبيرية في القرن الثالث قبل الميلاد و طردوا منها على يد الوندال في القرن الخامس ميلادي. أكمل الإمبراطور أوغست غزو شبه الجزيرة في القرن الأول ق.م وتلت ذلك مرحلة من الإضطرابات والثورات بالتزامن مع محاولات ‘رومنة’ الإيبيريين والتي اتسمت بالصعوبة و تأخرت نسبيا عن بقية أرجاء الامبراطورية.

هسبانيا Hispania هو الاسم المعطى من قبل الرومان إلى كامل شبه الجزيرة الإيبيرية (الحديثة البرتغال ، واسبانيا ، واندورا ، و جبل طارق و جزء جنوبي صغير جدا من فرنسا).

أعطى الامبراطور فاسباسيان حق المواطنة لكل الايبيريين سنة 74م. واسم أسبانيا في اللغة الأسبانية مشتق من هسبانيا.

أصبحت أسبانيا مقاطعة مهمة في الإمبراطورية الرومانية، وانتقل الكثير من الرومان للعيش هناك. وبنوا مدنًا في أسبانيا، كما عبَّدوا طُرُقًا ممتازة امتدت إلى كل المناطق. كذلك أنشأوا قنوات ضخمة كانت تحمل الماء من الأنهار إلى المناطق الجافة. وقد وُلِد العديد من أباطرة روما العظام ـ مثل هادريان وتراجان ـ في أسبانيا. كذلك فإن كتابًا بارزين مثل مارشيال وسنيكا انحدروا من أسبانيا.

أدخل الرومان اللغة اللاتينية إلى المقاطعة، وتطورت اللغة الأسبانية تدريجيًا عن اللاتينية التي كانت لغة التخاطب. كذلك أدْخلت النصرانية إلى المقاطعة خلال الحكم الروماني، وأصبحت النصرانية هي الديانة الرسمية للمقاطعة ـ وللإمبراطورية الرومانية ـ خلال أواخر القرن الرابع الميلادي. وفي الوقت نفسه تقريبًا انقسمت الإمبراطورية إلى جزأين: الإمبراطورية الرومانية الشرقية والإمبراطورية الرومانية الغربية. وأصبحت أسبانيا جزءًا من الإمبراطورية الرومانية الغربية[2].

*****

ابتدأت الحملات الجرمانية في زعزعة أمن روما خاصة في ما يعرف اليوم بفرنسا قبل أن تمتد في القرن الخامس ميلادي إلى شبه الجزيرة الإيبيرية.

التاريخ الوسيط

القوط الغربيون

القوط الغربيون شعب من الشعوب الجرمانية زحف جنوبا تحت ضغط الشعوب الجرمانية الأخرى و سيطر على شبه الجزيرة بعد أن طرد الوندال منها وأقاموا فيها حضارة استمرت حتى القرن السابع ميلادي

*****

الحكم الإسلامي

الأندلس هي الدولة التي أسسها المسلمون في شبه جزيرة أيبيريا عام 711م بعد ان استولوا تحت قيادة طارق بن زياد وضموها للخلافة الأموية وأستمر وجود المسلمين بالأندلس حتى سقوط مملكة غرناطة عام 1492.

واصل المسلمون التوسع بعد السيطرة على معظم أبيريا لينتقلوا شمالا عبر جبال البرنييه حتى وصلوا وسط فرنسا وغرب سويسرا. هـُزم الجيش الإسلامي في معركة بلاط الشهداء (تورز) عام 732 أمام قائد الفرنجة شارل مارتل.أرسل القائد موسى بن نصير إلى إبنه عبد العزيز ليستكمل الغزوات في غرب الأندلس حتى وصل إلى لشبونة أما موسى بن نصير وطارق بن زياد فقد لإتجاها شمالا إلى بارشلونه ثم سراقسطه ثم شمال تجاه الوسط والغرب حتى انتهت السيطرة على كل الأندلس في 3 سنين ونصف.

*****

الإسترداد

كانت سنة احتلال العرب لمنطقة البروفانس الفرنسية قد أعقبت الاحتلال والتدمير النرويجي للمنطقة من ابادة وسلب ونهب، ليستغل دوق "ليون" تلك الفوضى، وبدعم من رجال الدين، فيؤسس مملكته الخاصة مملكة ليون في البروفانس عام 879م وعندما مات سنة 887م كان وريثه صغيرا غير قادر على الحكم، مما جعل بقية الأمراء المحليين ينتهزون الفرصة لتأكيد استقلالهم في الحكم، مما جعل لإمبراطورية الكارولنجية في فرنسا تنقسم إلى مملكتين شرقية وغربية[3].

بدات حركة الاسترداد في 718 يرى المؤرخون الإسبان أن هذه الحركة تبدأ من معركة "كوفا دونجا" أو مغارة دونجا وفيها انهزم ابن علقمي اللخمي شر هزيمة من قوات "بلايه" (Pelayo)، وانتهت بتأسيس أولى الإمارات المسيحية في شمال الأندلس[4].

جمع عبد الرحمن الغافقي المجاهدين وخرج باحتفال مهيب ليعبر جبال البرانس واتجه شرقاً ليضلل النصارى عن وجهته الحقيقية، فأخضع مدينة "أرل" التي خرجت عن طاعة المسلمين، ثم اتجه إلى "دوقية"، فانتصر على الدوق انتصاراً حاسماً، ومضى الغافقي في طريقه متتبعاً مجرى نهر "الجارون" ففتح "بردال" واندفع شمالاً ووصل إلى مدينة "بواتييه". في بداية غزو جنوب فرنسا. دققت بهاأودو العظيم في معركة تولوز في 721 تراجعت وتجميعهم ، تلقى التعزيزات. ولم يجد الدوق "أودو" بدا من الاستنجاد بالدولة الميروفنجية، وكانت أمورها في يد شارل مارتل، بعد الغزو كان تشارلز مارتل هزم في معركة جولات في 732 معركة بواتييه وقعت 10 أكتوبر عام 732 م بين قوات المسلمين بقيادة عبد الرحمن الغافقي وقوات الإفرنج بقيادة قارلة (أو تشارلز/ كارل مارتل). هُزم المسلمون في هذه المعركة وقتل قائدهم وأوقفت هذه الهزيمة الزحف الإسلامي تجاه قلب أوروبا وحفظت المسيحية كديانة سائدة فيها.

كان شمال شبه الجزيرة الايبيريه به ثلاثة ممالك نصرانية وهم أرجون ونافار وليون وكانت أكبرها هي ليون وكانت هذه الممالك تجترئ على الحدود الشمالية الأندلسية وتهجم عليها واحتلت بعض المدن الإسلامية مثل مدينة سالم[5] .

في عام 1095 كانت البرتغال إقطاعية حدودية من مملكة ليون. أراضيها البعيدة عن مراكز الحضارة الأوروبية، والتي تتضمن بشكل كبير الجبال والأراضي البرية والغابات، جاورت من الشمال مينهو، ومن الجنوب مونديجو.

أصبح فرناندو الثاني ملك ليون من عام 1157 حتى وفاته . قسم والده مملكته عند وفاته ، و باستلام فرديناند عرش ليون ، استلم سانشو الثالث ملك قشتالة عرش قشتالة .

انكفأ المسلمون في الأندلس التي كانت تشمل معظم أجزاء إسبانيا باستثناء بعض المناطق الشمالية الغربية مثل منطقة جليقية أو غاليسيا ، فإن المسلمين لم يفرضوا سلطانهم تماماً على هذه النواحي لوعورة مسالكها وبرودة مناخها، فأهملوا جانبها زهداً فيها واستهانة بشأنها. ولهذا استطاعت بعض فلول الجيش القوطي المنهزم بزعامة قائد منهم يدعى بلاي أن تعتصم بالجبال الشمالية في هذه المنطقة ، وعاشوا على عسل النحل الذي وجدوه في خروق الصخر . ولما أعيى المسلمين أمرهم ، تركوهم وانصرفوا عنهم استخفافاًً بشأنهم وقالوا : ثلاثون علجاً ما عسى أن يجيء منهم ؟.

من هذه المناطق نبتت نواة دولة إسبانيا المسيحية، ونبتت معها حركة المقاومة الإسبانية التي أخذت تنمو وتتسع حتى سيطرت على جميع المناطق الشمالية الغربية التي أصبحت تعرف بمملكة ليون . ولقد أحاطت هذه المملكة نفسها بسلسلة من القلاع والحصون لحماية نفسها من هجمات المسلمين . ولم تلبث هذه القلاع أن اتحدت في القرن العاشر الميلادي بزعامة أقوى أمرائها ويدعى فرنان جون زالس ، واستقلت عن مملكة ليون وصارت تعرف بإمارة قشتالة . وكانت الكنيسة الكاثوليكية في روما تحرّض الأسبان بشكل مستمر على صدّ المسلمين وقتالهم ، ودعت هذه الكنيسة ملوك أوروبا إلى مساعـدة الأسبان ضد العـرب والمسلميـن[6]

*****

مملكة اسبانيا

اندمج تاج أراغون مع تاج كاستيا لتتكون مملكة اسبانيا ،اصبحت مملكة فالنسيا عضوا في الملكيه الاسبانيه. اتحدت مملكة كاستيا و مملكة ليون مع مملكة أراجون و استطاع الملك فيرنانديو و الملكة إيزابيلا ، الاستيلاء على الممالك العربية في الاندلس الواحدة تلو الأخرى إلى أن سقطت في أيديهم غرناطة آخر قواعد المسلمين سنة 1492 .

ضمنت ايزابيلا الاستقرار السياسي طويلة الاجل في اسبانيا عن طريق ترتيب الزيجات الاستراتيجيه لكل من اطفالها الخمسة. أول ، بنت اسمها ايزابيلا ، تزوجت من ملك البرتغال الفونسو ، من المهم اقامة علاقات بين هذين دول الجوار و لضمان مستقبل التحالف ، ولكن سرعان ما ماتت ايزابيلا قبل ولادة ولي العهد البرتغال . Juana ، ابنة ايزابيلا الثانيه خوانا ، تزوجت من فيليب الوسيم ، ، ملك بوهيميا (النمسا) والمعنون إلى التاج من الامبراطور الروماني المقدس وقد كفل هذا التحالف مع الامبراطوريه الرومانيه المقدسة الاقليم القوي ، بعيدة المدى الذي أكد اسبانيا مستقبل الأمن السياسي. ، تزوج ابن ايزابيلا الاول والوحيد ، خوان من مارغريت النمسا ، والحفاظ على علاقات مع عائلة هابسبورغ النمساوية ، وعلى اسبانيا التي كانت تعتمد إلى حد بعيد. تزوجت ماريا الطفل الرابع لها من مانويل الأول من البرتغال ، وتعزيز الصلة التي اقامها زواج الاخت الاكبر سنا . الطفل الخامس، كاترين ، تزوجت عام 1501م من آرثر، الأخ الأكبر للملك هنري الثامن، إلا انها ترملت بعد ستة أشهر فقط، فتم تزويجها من هنري الثامن عام 1509م. أنجبت خمسة أطفال، توفوا كلهم أثناء الولادة عدا الطفلة ماري (والتي أصبحت الملكة ماري الأولى).

*****

التاريخ الحديث

الإمبراطورية الاستعمارية

عندما ارتقى «فيليب الثاني» عرش إسبانيا، كانت أقوى دولة في العالم، وبخاصة ممتلكاتها العينية والمالية.بلغ عدد سكان إسبانيا أواخر القرن الخامس عشر حوالي تسعة ملايين نسمة بما فيهم العبيد والمغاربة.. و كانت إسبانيا بلد التزمت الديني في تلك الحقبة. ولكن إسبانيا لم تكن لتخلوا من توترات داخلية تدفع بإسبانيا إلى هاوية الفقر. وكان أحد الأسباب في ذلك طرد اليهود عام /1492م/ ثم المغاربة عام /1609م/ مما أفقر إسبانيا من الخبرة التجارية واليد العاملة. ثم يضاف توسع إسبانيا عسكرياً مما كلفها الكثير من قوتها المادية وبخاصة ما رافق هذا التوسع من حروب

في الثاني والعشرين من نوفمبر/تشرين الثاني عام 1975 أعلن خوان كارلوس ملك لإسبانيا بعد موت فرانسيسكو فرانكو ، وفي رسالته الأولى إلى الأمة أبدى افكاره الداعية لإعادة الديمقراطية للبلاد . حسب الدستور المعدل عام 1978 أصبحت إسبانيا دولة قانون اجتماعية وديمقراطية تحت نظام ملكي برلماني. قبل ذلك كانت تحت حكم شمولي تحت حكم فرانكو. الملك منصبه فخري و رئيس الوزراء هو الحاكم الفعلي للبلاد. البرلمان الإسباني (Cortes Generales) مقسم إلى مجلسين واحد للأعيان (Senado) وعدد أعضاءه يبلغ 259 عينا وآخر للنواب (Congreso de los Diputados) وعدد أعضاءه يبلغ 350 نائبا. ينتخب الأخير مباشرة من الشعب كل 4 سنوات، بينما يعين 51 عضو من مجلس الأعيان و ينتخب الباقون من الشعب أيضاً. رئيس الوزراء و الوزراء يتم تعيينهم من قبل البرلمان اعتماداً على نتائج الانتخابات النيابية.

*****

أهم الأحزاب الإسبانية:

حزب الشعب
حزب العمال الاشتراكي الاسباني
اتحاد اليسار
التحالف الديمقراطي لكاتالونيا
الحزب الوطني الباسكي
اليسار الجمهوري لكتالونيا




اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.